نحن لا ندرك أن بعض الكلمات قد تكون أشد أثرًا من رصاصةٍ تنطلق من فوهة السلاح، فالرصاصة قد تخترق الجسد فيلتئم جرحها أو ينتهي أثرها، أمَّا الكلمة فقد تنفذ إلى الروح وتترك فيها أثرًا قد يعجز الزمن عن محوه.
فكلاهما يغيِّر المصائر، غير أن رصاصة اللسان قد تكون أطول بقاءً وأعمق أثرًا؛ لأنها تستهدف الإنسان من داخله.
ولأن اللغة ليست مجرد وسيلةٍ للتواصل، بل مرآةً للأخلاق وميزانًا للوعي الإنساني، فإن التفكر قبل القول ليس ترفًا ذهنيًا، بل مسؤوليةٌ أخلاقية تجاه القلوب التي نتقاطع معها في دروب الحياة كل يوم. فالإنسان البنَّاء يغرس بكلماته بذور الأمل، ويوقظ العزائم، ويجبر الخواطر، بينما يهدم آخرون بكلمةٍ واحدة ما عجزت الأيام عن بنائه، غافلين عن أن الكلمة الجارحة ليست انتصارًا لصاحبها، بل هزيمةٌ أخلاقية تكشف فقره في الحكمة قبل أن تُحدث جرحًا في نفس من سمعها.
ولعل زهير بن أبي سلمى لخَّص هذه الحقيقة الخالدة بقوله:
«وجراحاتُ السِّنانِ لها التئامٌ… ولا يلتئمُ ما جرحَ اللسانُ».
فكم من حلمٍ انطفأ قبل أن يولد بسبب كلمةٍ قاسية، وكم من موهبةٍ خمدت لأن أحدًا ظن أن القسوة مرادفةٌ للصراحة، وأن النقد يبيح تجريح الكرامة. ومن هنا تبدأ رحلتنا مع أدب الكلمة لندرك الفارق بين من يجعل لسانه جسرًا تعبر عليه الأرواح إلى الأمل، ومن يحوله إلى معولٍ يهدم الثقة ويكسر مجاديف الطموح.
لقد انتشرت اليوم ثقافة “النقد المفتوح” بدعوى الصراحة، متجاوزةً بذلك الأدب الرفيع للنقد البنَّاء، وهنا يبرز قول الإمام الشافعي رحمه الله كدستورٍ أخلاقي خالد:
تَعَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي … وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ … مِنَ التَّوْبِيخِ لَا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ
وَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي … فَلَا تَجْزَعْ إِذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَهْ
إن النصح أمام الملأ في جوهره ليس تقويمًا للسلوك، بل هو توبيخٌ مغلَّفٌ بغلاف النصيحة، يغلق الأبواب بدلًا من فتحها، ويثير في النفس العناد بدلًا من القبول. فالقاعدة الذهبية تظل ثابتة: {امدح في العلن، وانتقد في السر}.
وليس هذا المبدأ مجرد توجيهٍ أخلاقي أو مثاليةٍ يصعب تطبيقها، بل تؤكده مواقف الحياة اليومية في البيئات المهنية والاجتماعية والأسرية، حيث تصنع الكلمة الفارق بين بناء الإنسان وهدم ثقته بنفسه، وبين إطلاق الطاقات أو إخمادها، وبين إصلاح القلوب أو تعميق جراحها.
ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك ما نراه في تفاصيل حياتنا اليومية، فحين يقدم موظفٌ شاب فكرةً لمشروع جديد، ويقوم المدير أمام الفريق بنعته بأن اقتراحه “غير ناضج”، فإنه لا يهدم الفكرة فحسب، بل يقتل دافعية الموظف ويزعزع ثقته بنفسه. وفي المقابل، لو استدعاه على انفراد وقال له بتقدير: “أرى إمكانياتٍ كبيرة في فكرتك، لكن تطوير الجانب الفني سيجعلها أكثر احترافية”، لتحولت كلمته من معول هدم إلى مفتاح تطوير.
وكذلك نرى في التجمعات الاجتماعية من يعلِّق على مظهر صديقٍ أو أحد خياراته الشخصية بأسلوب “المزاح الثقيل” أمام الحضور، ظنًا منه أنه يمازحه، بينما يغرس في قلبه انكسارًا عميقًا قد يلازمه طويلًا. بينما العظماء حقًا هم من يدركون أن تقويم الآخرين أمانة لا تُؤدى إلا في خلوةٍ تليق بالاحترام، وبأسلوبٍ يحفظ الكرامة ويحقق المقصود.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يتعمد بعض الناس جرح الآخرين بكلماتهم؟
إن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تحطيم غيره ليشعر بقيمته، ولا إلى التقليل من نجاح الآخرين ليبرز نجاحه. أما من يعاني فراغًا داخليًا، أو شعورًا بالنقص، أو عجزًا عن تحقيق ذاته، فقد يجد في الانتقاص من الآخرين وسيلةً مؤقتة لتعويض ما يفتقده في داخله، أو لإظهار تفوقٍ زائف أمام الناس. ولهذا فإن الكلمة الجارحة لا تكشف غالبًا عن ضعف من وُجِّهت إليه، بقدر ما تكشف عن الاضطراب الكامن في نفس قائلها. {فالألسنة كثيرًا ما تفضح ما تخفيه القلوب}.
شتان بين فريقين؛ الأول هم البنَّاؤون الذين أدركوا أن دورهم في هذه الحياة هو ترميم الأرواح، وهؤلاء تتجلى فيهم عظمة الكلمة كما وصفها الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
إنهم يدركون أن الكلمة الطيبة كالشجرة المباركة، جذورها في أخلاقهم، وفروعها في أثرها الممتد في حياة الآخرين. فكلامهم يحيي الهمم، ويبعث العزائم، ويزرع الطمأنينة، ويجعل من جبر الخواطر قمة الرقي الإنساني، وعلامةً على نبل النفوس.
ويحث الله عباده المؤمنين على أهمية اختيار الألفاظ الحسنة في حوارهم مع الآخرين، ويؤكد أن الجفاء في اللفظ والكلمات النابية قد يكون مدخلًا للشيطان لزرع العداوة والفرقة بين المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53].
أما الفريق الثاني فهم حجارة العثرة الذين يكسرون مجاديف الطموح، ويزرعون الشوك في دروب الآخرين بكلماتهم القاسية، غير مدركين أنهم لا يهدمون الآخرين فحسب، بل يهدمون صورتهم في أعين الناس، ويحرمون أنفسهم من السلام النفسي والمكانة الاجتماعية التي لا تُنال إلا بحسن الخلق ولين الكلمة.
ولعل أجمل ما يميز الكلمة أنها لا تعود إلى صاحبها بعد خروجها، فهي إما أن تتحول إلى بذرة خير تنبت في القلب فتثمر محبةً وثقةً وأملًا، وإما أن تصبح سهمًا يجرح نفسًا، ثم يظل صداه يتردد في الذاكرة سنواتٍ طويلة. ولذلك كان العقلاء يزنون كلماتهم قبل أن ينطقوا بها؛ لأنهم يعلمون أن الإنسان قد ينسى كثيرًا مما رأى، وقد يغفل عما سمع، لكنه قلَّما ينسى كلمةً أحيت قلبه، أو أخرى كسرت خاطره.
في النهاية، تذكَّر، عزيزي القارئ، أن الكلمات التي ننطق بها اليوم هي البصمة التي سنتركها في ذاكرة الآخرين حين نغيب، وأن الحياة أقصر من أن نملأها بكلماتٍ لا تجبر كسرًا ولا تنبت أملًا، وإن أعظم صور الإتقان هي إتقان الكلمة؛ لأنها في حقيقتها إتقانٌ لبناء الإنسان.
وقد أحسن الحكماء حين قالوا:
«لسانُ العاقلِ وراءَ قلبِهِ، فإذا أرادَ القولَ تدبَّر. وقلبُ الأحمقِ وراءَ لسانِهِ، فإذا أرادَ القولَ تكلَّم».
ويأتي التوجيه النبوي ليختصر هذا المنهج الأخلاقي كله في كلماتٍ قليلة عظيمة الأثر، إذ قال رسول الله ﷺ:
«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
فقف لحظةً، وتفكَّر قبل أن تنطق، فإن وجدت في كلمتك خيرًا فانطق بها، وإن كانت جرحًا فاصمت عنها. فالصمت في مواضع التجريح أبلغ من ألف كلمة، وعُد إلى قلبك قبل أن تتحدث، فما خرج من قلبٍ صادقٍ وصل إلى القلوب، وما خرج من قلبٍ قاسٍ خلَّف ألمًا قد يطول بقاؤه.
لقد أودع الله في الإنسان القدرة على الإبداع والابتكار والإصلاح، وجعل الكلمة من أعظم النعم التي يُعمَر بها القلب قبل العمران، ويُبنى بها الإنسان قبل البنيان.
قال رسول الله ﷺ: «ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانَه».
فلنجعل كلماتنا امتدادًا لهذه النعمة، ولنجعل من ميزاننا الأخلاقي بوصلةً لا تحيد عن جبر الخواطر وبناء الأرواح، ولتكن ألسنتنا جسورًا للمودة، وملاذًا للمنهكين، ومناراتٍ تهدي الطامحين إلى الأمل.
فالكلمة الطيبة ليست مجرد صوتٍ يُسمع، بل تاريخٌ يُكتب في ذاكرة القلوب، وأثرٌ قد يمتد عمره أكثر من عمر صاحبه.
فاحرص أن يكون أول ما يسبق لسانك قلبٌ رحيم، وآخر ما يبقى منك بين الناس كلمةٌ طيبة.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب