الرَّحِيل المُتَأخِر… ومَا تُخْفِيه صُدُور الرِّجَال

ما دفعني لكتابة هذه السطور ليس إلا تلك الوجوه التي أثقلها الصبر، وتلك الحكايات الصامتة المستترة خلف أعين بعض الرجال؛ حكايات لا تُروى إلا حين يثقلها الألم، ويخذل الصمت أصحابها، فينطقون بها لا طلبًا للشفقة، بل بحثا عن نجاةٍ تأخرت كثيرًا.

لم أشعر أني أنتصر لجنس الرجال بقدر ما شعرت أني افتح نافذة على معاناة لم يتحدث عنها كثيرون.

ففي زوايا الحياة الزوجية، حيث تُبنى الأيام على مهلٍ من المودّة، وتُنسج السنوات بخيوط الصبر والتضحية، يقف بعض الرجال في ذهول أمام لحظةٍ لم تخطر لهم على بال، لحظة تُهدَم فيها تلك السنين بكلمةٍ عابرة، أو نزوةٍ طارئة، أو سببٍ لا يوازي حجم ما كان بين القلوب من عهد ووفاء .

تُبْنَى الحَيَاةُ عَلَى المَودِّةِ والوفَا
دهرًا ويَهْدِمُهَا الهَوى فِي لَحْظةِ

*********
ويَضِيـعُ عُمرٌ في غُفولِ نزوةٍ
وكأنّهُ حُلمٌ مَضَى في غَفْلَةٍ

لا يخفى على عاقلٍ منصف أن البيوت الزوجية في السابق كانت تُشيَّد على صبر النساء، وكانت المرأة للبيت كالعامود للخيمة وسر ثباتها، تحتمل من أعباءِ الحياة ما ينوءُ به الكتف، وتُخفي في صدرها آهاتٍ لو نطقت لاهتزت لها الجبال، غير أنها كانت ترى في الصبر عبادة، وفي الاحتمال رسالة، وفي بقاء البيت أمانة لا يُفرط فيها.

أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال وتحولت الموازين، حتى غدت كثير من البيوت تُبنى على صبر الرجال، وكأنّ الحمل الذي كان يُظن أنه موزع، قد استقر على أكتافهم وحدهم.

إِنَّ البُيُوتَ ثَبَاتُها وَوُجودُها
قَالوا عَلَى صَبْرِ النِّسَاءِ يَقُومُ

*********

فَأَجَبْتُهُمْ حَقًّا وَلٰكِنْ مِثْلُهُ
صَبْرُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ عَظِيمُ

يصبرون بصمت على تقلبات لم يألفوها، ويُمسكون بزمام البيوت رغم ما يعتريها من رياح التبدل، لعلها تعود يومًا إلى سكينتها الأولى، هناك تضحيات تقدم بلا ضجيج، وأسرار تُخفى بين ضلوع الصبر، وأنفاس مكتومة لا تُترجمها الكلمات، ودموع تُمسح في الخفاء، في زمنٍ تعاظمت فيه المطالب، وتزاحمت فيه المغريات، وضاق فيه صدرُ التحمّل عند بعض النفوس.

إِنَّ الرِّجَالَ إِذَا مَا ضَاقَ مُتَّسَعٌ
فَفِيهِمُ الصَّبْرُ وَالْإِقْدَامُ وَالظَّفَرُ

*********
يَمْضُونَ فِي دَرْبِهِمْ لَا يَشْتَكِي أَحَدٌ
كَأَنَّ فِي صَدْرِهِمْ لِلْعُسْرِ مُدَّخَرُ

إن الرجل الذي أفنى شبابه في بناء بيتٍ، وجعل من قلبه مأوى، ومن كتفه سندًا، ومن صبره جسرًا تعبر عليه الأزمات، ومن حلمه سقفًا يظلّل تفاصيل الحياة؛ هو ذاتُه الذي يُخفي تعبه كما كانت تُخفيه امرأةُ الأمس، ويكتم انكساراته خلف ابتسامة يقدمها لأهل بيته، لئلّا تتصدع أركان المودة، وآثر الصمت حين كان الكلام يُثقل القلوب، واختار البقاء حين كانت أبواب الرحيل مشرعة.

لا يُثقله الفراق لذاته، ولا يُدميه البعد بما فيه من وحشة وغياب، بل تؤلمه خفة الأسباب، وبرودة القرار، وكأن العشرة لم تكن إلا صفحة عابرة في كتاب الأيام.

نعوذُ بالله من قهرِ الرجال؛ ذلك البلاء الخفي الذي تعوذ منه النبي – ﷺ – لا تُرى جراحه، لكنه يُثقل القلب حتى ينوء، ويكسر النفس حتى تذبل.

فإذا رأيتَ الصمتَ يسكنُ صوتَهُ
فاعلم بأنّ الحزنَ فيهِ أقامَ

*********
قهرُ الرجالِ حكايةٌ لا تنتهي
لكنّها… تُروى بغيرِ كلامِ.

وأما واقع بعض نساء اليوم، فقد ضاقت لدى بعضهن مسالك الصبر، وتبدلت نظرتهن إلى الحياة الزوجية بعد سنوات طويلة من العشرة والعطاء، حتى غدت حالات الطلاق والمخالعة أكثر حضورًا مما كانت عليه في السابق، ولم تعد هذه الظاهرة حكرًا على حالات محدودة، بل باتت تتكرر في كثير من البيوت، في مشهد يعكس تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة، تستدعي الوقوف عند أسبابها وتأمل آثارها في استقرار الأسرة وتماسكها.

يا أُمَّةً شَكَتِ البيوتُ جِراحَها
وتناهَدَتْ من ثِقلِها الأركانُ

*********
كَثُرَ الطلاقُ فكم تهاوى منزلٌ
كانتْ تُظلِّلُ أهلَهُ الأغصانُ

والعجيب أن هذه التحولات تبدو أكثر وضوحًا في مرحلة الأربعين والخمسين وما بعدها؛ وهي المرحلة التي يُفترض أن تمثل ذروة النضج الأسري والوجداني، وأن تكون من أجمل مراحل الحياة الزوجية وأكثرها استقرارًا. ففيها يكون الزوجان قد قطعا رحلة طويلة من الكفاح المشترك، وبذلا من الجهد والتضحية ما أسهم في بناء الأسرة وترسيخ دعائمها، وبلغا قدرًا من الاستقرار المادي والاجتماعي يؤهلهما لجني ثمار تلك السنوات، والتطلع إلى حياة أسرية هادئة تجمع الأبناء والأحفاد تحت مظلة من المودة والوفاء والذكريات الجميلة.

يا من قضيتُم في المودَّةِ عُمرَكم
وتقاسمتْكم فرحةٌ وأمانُ

*********

مهلًا، فإنَّ العمرَ أسرعُ راحلٍ
والقلبُ بعدَ فراقِهِ ظمآنُ

*********
لا تهدموا بيتًا أقيمَ على التقى
فالهدمُ يسهلُ، والبنا بُرهانُ

إلا أن بعض العلاقات تسلك في هذه المرحلة العمرية مسارًا مغايرًا؛ إذ قد يتولد لدى بعض الزوجات شعور بالاستغناء عن الزوج بعد أن يكبر الأبناء ويعتمدوا على أنفسهم، أو بعد تحقيق قدر من الاستقلال المادي أو المهني، أو نتيجة تأثيرات خارجية جعلتها تعيد نظرتها إلى الحياة الزوجية ومكانتها في سلم الأولويات.

وهذا الأخير، سبق أن أفردتُ له مقالًا مستقلًا بعنوان: «مشاهير السوشال ميديا بين التخبيب والتشوه المعرفي»، تناولتُ فيه أثر بعض مشاهير وسائل التواصل في إعادة تشكيل المفاهيم الأسرية لدى شريحة من النساء، عبر رسائل تُصوِّر الحياة الزوجية قيدًا، والاستقلال استغناءً، والتمرد على المسؤوليات قوةً، حتى غدت معايير النجاح الأسري عند بعض الناس بعيدة عن مقاصد الزواج الحقيقية، وكان ذلك ثمرةً من ثمار التخبيب والتشوه المعرفي الذي قلب الحقائق، وغيّر سلّم الأولويات، وأعاد تعريف الأسرة والزواج بمعايير دخيلة لا تمت إلى الفطرة ولا إلى هدي الشريعة بصلة.

فنشأ لدى بعض الزوجات شعورٌ بأن السعادة لا تتحقق إلا خارج إطار الأسرة، وأن تحقيق الذات يتعارض مع الوفاء للحياة الزوجية، فضعفت قيمة العِشرة، وتراجعت معاني الصبر والتغافل، وأصبح البعض من هُنَّ يرى أن ما بذله في الماضي يبرر التخفف من مسؤوليات الحاضر، ولو كان ذلك على حساب استقرار الأسرة.

ولا تقف آثار هذا التحول عند حدود العلاقة بين الزوجين، بل قد تمتد إلى التقليل من إسهامات الزوج أو إنكار ما قدمه من دعم وتضحيات عبر سنوات طويلة. وقد ينعكس ذلك على الأبناء؛ إذ يميل بعضهم إلى الانحياز العاطفي للأم، فتتبدل نظرتهم إلى الأب، ويغيب عنهم ما بذله في سبيل أسرته.

ومع مرور الوقت تتراجع مكانته في نفوسهم، ويتقلص حضوره في حياتهم، رغم أنه كان ركنًا أصيلًا في بناء الأسرة ورعايتها. وتزداد قسوة المشهد حين تُنسى سنوات العطاء والوفاء تحت وطأة الخلافات المتأخرة، فيُنظر إلى الأب من زاوية النزاع القائم لا من خلال تاريخه الطويل وتضحياته الممتدة.

وفي مثل هذه الحالات لا يتضرر طرفٌ واحد فحسب، بل تتأثر الأسرة كلها، وتضعف الروابط التي كان يُفترض أن تزداد قوة مع تعاقب الأجيال. وحين تغيب نظرة الإنصاف، يُغفل الفضل، وتُستحضر مواطن التقصير، وتُنسى سنوات الوفاء والعطاء، فتُحصى العثرات، بينما تغيب الأيادي البيضاء ومواقف الإحسان. وهكذا لا يكون التعب من قلة الجميل، بل من قلة الالتفات إليه.

فالعِشرة لا تحتاج إلى ذاكرةٍ تُجيد الحفظ بقدر ما تحتاج إلى قلبٍ يُجيد العفو، ويستحضر الفضل، فليست السعادة في حياةٍ بلا عيوب، ولا في شريكٍ لا يخطئ، بل في قلبٍ لا ينسى الجميل ولا يتنكر للإحسان.
ومن أضاع جميل ما كان، فلن يجد في قادم الأيام إلا صدى ما اختار أن يتذكره.

ومع هذا كله، فإن الإنصاف يقتضي ألا تُعمم الأحكام؛ ففي النساء صالحات ثابتات، يعرفن للبيوت حرمتها، وللعِشرة قدرها، فيحفظنها بصبرٍ جميل ووفاءٍ أصيل.

هُنَّ موطن الأنس والطمأنينة، لا تستميلهن ضوضاء المشاهير، ولا تُعمي بصائرهن زخارف القول والتخبيب، بل يزِنَّ ما يسمعن بميزان الوعي والحكمة، فيأخذن ما يصلح البيوت ويتركن ما يفسدها.

وختامًا: تمضي الحياة بين قلوبٍ تحفظ وأخرى تفرّط، وبين نفوسٍ تعي قدر الميثاق وأخرى تستخف بثقله، ولعل أشد أوجاع الرحيل أنه يأتي متأخرًا؛ بعد أن يشيب العمر، وتثقل الذاكرة بالذكريات، ويظنُّ المرء أن ما بناه بالوفاء لن تهدمه لحظةُ جفاء. غير أن الرجاء يبقى ما دام في الناس من يُقيم للوفاء وزنه وللعِشرة شأنها.

فاحفظوا للعِشرة حقها، وللسنين فضلها، ولا تجعلوا خلافًا عابرًا يمحو تاريخًا طويلًا عامرًا بالإحسان؛ فإن البيوت لا يحفظها كمالُ أهلها، وإنما يحفظها وفاءُ القلوب، وإنصاف النفوس، وتقوى الله في السر والعلانية.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *