نحن لا نعيش حياتنا، بل نشاهدها تمر من خلف شاشات زجاجية. وبينما نظن أننا نتصل بالعالم، فإننا في الحقيقة نفقد الاتصال بأهم ما نملك: ذواتنا، ولحظاتنا، وأعمارنا التي تذوب كقطعة ثلج تحت شمس الخوارزميات.
لقد أضحى الهاتف قيدًا غير مرئي نحمله بإرادتنا، ونمنحه طواعيةً مفاتيح وجودنا. هل تساءلت يومًا لماذا تشعر بالإنهاك رغم أنك لم تفعل شيئًا يُذكر؟ إنها إحدى أخطر جرائم هذا العصر؛ جريمة نمارسها بحق أنفسنا، لأن ضحيتها ليست أجسادنا، بل أعمارنا. نعيش في سجن ذهبي، قضبانه من إشعارات، وجدرانه من تطبيقات لا تشبع، حتى بعنا أثمن ما نملك، وقتنا، مقابل فتاتٍ من التفاعل الرقمي الزائف.
إننا اليوم نعيش الخسر الذي حذرنا منه رب العزة حين أقسم بالزمان فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، فالزمان هو وعاء العمر، والعمر هو رأس المال الذي لا يُعوَّض. وأكد النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
آن لنا أن نستيقظ؛ فقد غاب التفكر، وتراجعت الحكمة، ولم يتبقَّ لنا إلا أن نعترف بأننا أصبحنا أسرى ونحن نتوهم الحرية. إن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي أصبح لعنة هذا العصر؛ فالأعمار تُسرق، والأوقات الثمينة تتسرب، وقد وقع الفأس في الرأس. يكفي أن تنظر إلى أي مجلس؛ سترى الرؤوس منكسة نحو الشاشات، والحوارات الهادفة تحتضر، وصمتًا باردًا يخيم على الجميع، بينما تمضي ساعات العمر بلا رجعة.
وأنا كاتب هذه المقالة لست بريئًا من هذه الكارثة، بل أعاني منها كما تعانون، وأجاهد نفسي كما تجاهدون. لكن السؤال الذي يؤرقني هو: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ لقد سمحنا للتقنية أن تنتقل من كونها وسيلة تخدم حياتنا إلى قوة تقودها وتوجّهها، ففقدنا لذة العيش، وتراجع التفكر، واضطربت الطمأنينة، حتى أصبحنا نسير كثيرًا، ولكننا لا نعرف إلى أين.
إن الاعتراف بالداء هو أول درجات العلاج، ولعل الخطوة الأولى في رحلة التحرر تبدأ باستعادة قدسية اللحظة، والعودة إلى أمر الله تعالى بالتفكر في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾.
إن ثقافة “لا” ليست رفضًا للتقنية، بل هي القدرة على استخدامها دون أن تستخدمنا. إنها القدرة على أن تقول: لا لما يسرق انتباهك، ولا لما يبدد عمرك، ولا لما يزاحم أولوياتك، لتقول في المقابل: نعم للتفكر، ونعم للكتاب، ونعم للحوار، ونعم للحياة الحقيقية. فليست قوة الإنسان في أن يستطيع فعل كل شيء، بل في أن يعرف ما الذي ينبغي أن يرفضه. فالإنسان الذي لا يستطيع أن يقول “لا” لما يضره، لن يستطيع أن يقول “نعم” لما يبني حياته.
لذلك فإن الحاجة اليوم ليست للمزيد من المعلومات، بل للمزيد من التفكر، تلك المحطة التي تسبق الإتقان، عملًا بالمنهج النبوي الرصين: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
والعودة إلى العالم الملموس، كالكتاب، والحوار المباشر مع من نحب، ليست ترفًا، بل أفعالًا حيوية بالغة الأهمية تعيد للإنسان سيادته على وقته ووعيه، وتدرب حواسنا من جديد على استشعار الجمال في العالم الواقعي، لا خلف الشاشات الباردة.
أما التدرج في الفكاك فلا يعني أن ننقطع عن أدوات العصر، وإنما أن نستعيد السيادة عليها، فنستخدمها بوعي، ولا نسمح لها أن تستخدمنا. فالفرق الحقيقي يكمن في أن تكون أنت الآمر الناهي للجهاز، لا العبد المطيع لإشعاراته. فالمؤمن مأمور بأن يملك زمام نفسه، وألا يستسلم لكل ما يجذب انتباهه أو يستنزف عمره، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وما أكثر صور الهوى في عصرنا حين تتحول الرغبة في التصفح إلى عادة، والعادة إلى إدمان، والإدمان إلى أسلوب حياة.
وإن أعظم الخسارة ليست في ضياع الساعات فحسب، بل في أن يخسر الإنسان نفسه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ومن هنا فإن استعادة السيادة على الوقت والانتباه ليست مجرد مهارة حياتية، بل مسؤولية إيمانية وأخلاقية تحفظ للإنسان عمره، وعقله، وعلاقته بربه وأهله.
إن الوقت هو رأس المال الوحيد الذي لا يقبل الاستثمار المؤجل. وكل ساعة تمضي في متاهات التطبيقات هي ساعة تُخصم من عمر الإنجاز، وسنسأل عنها يوم القيامة، كما أخبر النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه».
في النهاية، لن يحاسبنا التاريخ على عدد المتابعين، بل سيبقى أثر ما قدمناه من علم، وعمل، ورحمة، ووقت أحسنَّا استثماره. ولن يندم الإنسان يومًا لأنه أغلق هاتفه ساعة، لكنه قد يندم عمرًا لأنه أغلق قلبه عن الحياة وهو يحدق في شاشة.
إن الهاتف في يدك أداة، فلا تسمح له أن يستعبدك. إننا مدعوون اليوم إلى أن نسترد إنسانيتنا، ولعل أبسط إنجاز يمكنك القيام به هو أن ترفع رأسك، أو تمسك بيد من تحب، دون أن يقطع حبل مشاعرك اهتزازٌ في جيبك. تذكر دائمًا أن الإتقان الذي ننشده في حياتنا لا يولد إلا من رحم التفكر.
يا صديقي، إذا أردت أن تبني مستقبلًا، فابدأ ببناء حضورك في الحاضر. اخرج من سجنك الرقمي، وتنفس هواء الواقع، واستعد سيادتك على وقتك، ففي صمتك بعيدًا عن الشاشات ستجد أخيرًا ذلك الصوت الذي طالما بحثت عنه؛ صوت عقلك، وقلبك، وحقيقتك.
كن أنت المعلم الأول لأبنائك في كيفية استعادة الحياة من براثن هذا التوحش التقني. وتذكر أن ما يبقى من الإنسان ليس عدد الرسائل التي كتبها، ولا الساعات التي قضاها في التصفح، ولا عدد المتابعين الذين جمعهم، بل الأثر الذي تركه، والعقول التي أيقظها، والقلوب التي أضاءها، والأعمار التي ألهمها أن تُعاش بوعي. فالحياة لا تُقاس بطولها، بل بما امتلأت به من معنى، والإنسان يرحل، ويبقى أثره شاهدًا له أو عليه.
وتأمل قول الإمام الشافعي:
وما من كاتبٍ إلا سيفنى
ويبقى الدهر ما كتبت يداه
*********
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه
فالعمر الذي يمضي لا يعود، ولكن أثره قد يبقى إلى ما بعد الرحيل. فاحرص أن يكون ما يبقى منك أعظم مما مرَّ بك، وأن تترك في الدنيا أثرًا يرضي ربك، وينفع الناس، ويشهد لك يوم تلقاه.
نوار بن دهري
مقالات سابقة للكاتب