كانت الأمم منذ أقدم العصور ترتحل من موطن إلى آخر، وتجوب الفيافي والقفار بحثًا عن الماء والكلأ؛ فحيثما وجد الماء وجدت الحياة، وحيثما نبع الغدير اخضر الزرع، وتوافر الاستقرار.
ولأجل الماء قامت الهجرات، وتشكلت القرى والمدن، بل ونشبت الحروب والنزاعات بين القبائل والشعوب، إذ كانت مصادره محدودة، والحاجة إليه لا تنقطع.
ويُعد الماء أعظم ثروة وهبها الله للإنسان بعد نعمة الإيمان، فهو أغلى من الذهب والفضة والألماس، بل إن جميع كنوز الأرض لا تساوي قطرة ماء عند فقدها؛ فالذهب لا يروي ظمأً، والفضة لا تنبت زرعًا، والأحجار الكريمة لا تحفظ حياة، فهو أساس الحياة وسر بقائها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]، وانعدامه يعني الموت.
والماء عنصرٌ أساس في تكوين الطين الذي خلق الله منه آدم عليه السلام، وقد امتن الله بهذه النعمة العظيمة، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48].
كما جاءت السنة النبوية مؤكدة لعظمة هذه النعمة، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؟ فقال: «سقي الماء»، فكان ذلك دليلاً على رفعة شأن هذه الصدقة وعظيم أجرها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»، وهو أصل عظيم في أهمية التعاون والتكافل بين الناس، وعدم هدر الموارد أو احتكارها، لما تقوم عليه حياة البشر.
كما ورد الوعيد الشديد في منع الماء عمن يحتاج إليه، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من الذين «لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم…» رجلٌ منع فضل الماء عنده، فيقول الله تعالى: «اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك»؛ لما في ذلك من الإضرار بالخلق وقطع أسباب الحياة عنهم.
واقتسام الماء بين الجيران من مكارم الأخلاق، ومن صور التراحم والتعاون التي دعا إليها الإسلام. فالجار إذا احتاج إلى الماء استُحب لجاره أن يعينه بما يستطيع، وأن يتذكر أن النعمة التي بين يديه هي عطية من الله سبحانه وتعالى، وليست ملكًا مطلقًا يتصرف فيه كيف يشاء دون مراعاة حقوق الآخرين.
وحين يتشارك الجيران في المنافع، ويقضون حاجات بعضهم بعضًا، تسود المحبة، وتزول أسباب النزاع، ويصبح المجتمع أكثر تماسكًا وتعاونًا.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الماء أصل الأقوات، وبه قوام الأبدان والأشجار والزروع».
والمحافظة على الماء من مقاصد الشريعة؛ لأنه من الضروريات التي تقوم عليها حياة الناس، ولا تستقيم معايشهم إلا به.
وتتحقق ثقافة ترشيد استهلاك الماء بعدم الإسراف فيه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الماء عند الوضوء، ولو كان المرء على نهر جارٍ، فالمحافظة على هذه النعمة خلقٌ رفيع وسلوكٌ حضاري.
ومن أهم وسائل المحافظة على هذه الثروة العظيمة:
– إصلاح التسربات المنزلية فور اكتشافها.
– تعزيز ثقافة المحافظة على الماء بين الأبناء.
– تجنب استخدام مياه الخزان المشترك في غسل السيارات أو المفارش الكبيرة أو غيرها من الاستخدامات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه.
– المراقبة الحثيثة للأطفال في استعمالهم الصنابير.
– الفحص المستمر لمنسوب المياه في الخزانات.
ولو فقدت الأرض الماء لأصبحت قفرًا لا حياة فيها؛ لذا فإن المحافظة على هذه النعمة مسؤولية دينية ووطنية وأخلاقية وإنسانية، وليست خيارًا شخصيًا.
نسأل الله أن يديم علينا نعمة الماء، وأن يجعلنا من الشاكرين المحافظين عليها.
مقالات سابقة للكاتب