الزمن في جوهره لا يعرف البداية ولا النهاية؛ إنما يمضي في حياده المطلق، لا يحمل ذاكرةً، ولا يُورّث ندماً. فنحن الذين نرسم على صفحاته حدوداً نسميها عاماً مضى، وعاماً أقبل.
وما هذه الحدود إلا محطات نفسية يتوقف عندها الوعي ليعيد مساءلة صاحبه: ماذا كنت؟ وماذا أصبحت؟ وإلى أين تمضي؟
إن الزمن وفق هذا المنظور نهرٌ أصمّ، لا يلتفت إلى الذين غرقوا فيه، ولا يحتفل بالذين عبروا ضفافه.
ونتيجةً لذلك؛ نجد أن الإنسان وحده هو الذي يضع علاماتٍ على الطريق؛ لأنه يخشى أن يعترف بأن الحياة لم تتوقف يوماً لتنتظر أحداً.
وبالتالي فإن أكثر ما يستعبد الإنسان ليس الماضي ذاته، بل تعلقه بالماضي، فالحدث يموت في اللحظة التي يقع فيها، لكن الذاكرة تمتلك قدرةً شيطانية على بعْث الجثث.
إنها -أي الذاكرة- لا تحفظ الوقائع كما كانت، بل تُعيّد تشكيلها حتى تصبح سلاسل نُكبّل بها إرادتنا.
وهكذا؛ يغدو الإنسان حارساً لمقبرةٍ لا يسكنها إلا هو،بينما العالم في الخارج يواصل نموه غير عابئٍ بطقوس حزنه، وغير مكترثٍ بمقدار شكواه.
إن العام الجديد ليس وعداً بأن الحياة ستكون أكثر عدلاً، ولا ضماناً بأن الطرق ستصبح أقل وعورة، بل هو فرصة متجددة لأن نصبح نحن أكثر اتساعاً من جراحنا، وأكثر حكمةً من أخطائنا، وأكثر إيماناً بأن الإنسان لا يُقاس بعدد انتصاراته، وإنما بقدرته على تحويل هزائمه إلى مادةٍ للنمو، وأن نسلب التشكي حقه في أن يصبح هويةً لنا.
صحيح أنه ما من إنسان إلا وقد تعثر وسقط في طريق أحلامه وسبيل أهدافه، لكن كل سقوطٍ يحمل في داخله احتمالين: أن يتحول إلى قبرٍ نُدْفنُ فيه، أو إلى سلّمٍ نصعد عليه.
والفرق بينهما ليس في شدة السقوط، بل في طبيعة الروح التي نهضت بعده؛ فالنفوس الضعيفة تبحث عن تفسيرٍ لمأساتها، أما النفوس العظيمة فتبحث عن استعمالٍ جديدٍ لها.
إن هذه النفوس العظيمة لا تسأل: لماذا حدث هذا؟ بل تسأل: ماذا يمكن أن أصبح بسببه؟
إن الحياة لا تمنح الإنسان قيمةً لأنه عاش طويلاً، بل لأنه امتلك الجرأة على إعادة تشكيل نفسه.
فالوجود ليس أن تستمر في التنفس، بل أن تمتلك الشجاعة لتجاوز النسخة التي لم تعد تليق بك. وما أكثر الذين يشيخون وهم أحياء؛ لأنهم ظلوا أوفياء لشخصٍ انتهى منذ سنوات.
لذلك؛ فإن أجمل استقبال لعامٍ جديد ليس في تبديل التقويم، ولا في كتابة قوائم الأمنيات، بل في تحرير القلب من أثقاله، والعقل من أوهامه، والروح من تعلقها بما لا يعود. فمن يحمل الأمس فوق كتفيه؛ يصل إلى الغد منهكاً قبل أن يبدأ الرحلة.
إن الإنسان الواعي يمكنه أن يبدأ عامه كما تبدأ الشمس صباحها، لا تعتذر للظلام الذي انقضى، ولا تفاوض الليل على بقائه، بل تمارس طبيعتها في الإشراق. فالنور لا ينتصر لأنه يحارب العتمة، بل لأنه يمارس حضوره.
إن جوهر الحكمة -مع بداية كل يوم وليس كل عام- أن ندرك أن الحياة لا تطلب منا أن نكون بلا أخطاء، وإنما أن نكون أكبر منها، وأن السنوات لا تضيف إلى أعمارنا شيئاً إذا لم تضف إلى وعينا اتساعاً، وما العام الجديد إلا صفحة بيضاء، لا يكتبها الزمن، بل تكتبها الشجاعة، شجاعة أن نمضي، وأن نغفر لأنفسنا، وأن نؤمن بأن أجمل ما في الطريق ليس ما فقدناه خلفنا، بل ما ينتظرنا في الأمام منه.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي