سلطان اللغة

للألفاظ سلطانٌ يتجاوز معانيها؛ فهي لا تقتصر على نقل الأفكار، بل تُسهم في تشكيل طريقة تفكيرنا، وتؤثر في أحكامنا، وتعيد رسم نظرتنا إلى العالم. ولذلك فإن لكل عصر لغته، وليس المقصود بذلك مفرداته وحدها، بل الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، ويحاور بها الآخرين، ويفسر بها ما يدور حوله.

فاللغة ليست وسيلةً للتعبير فحسب، بل إطارٌ للإدراك، وعدسةٌ نقرأ من خلالها الأحداث والناس والتاريخ. فإذا تبدلت طريقة التعبير، تبدلت معها أنماط التفكير، وتغيرت معايير الحكم، وأصبح ما كان يحتاج إلى تأمل يُختزل في عبارة، وما كان يستحق حوارًا يُحسم بتصنيف، وما كان يُقرأ في كتاب يُستهلك في مقطع لا يتجاوز دقيقة.

ولعل أكثر ما تغير في عصرنا ليس الأشياء، بل القاموس الذي نصف به أنفسنا والآخرين؛ فهو يؤثر في أحكامنا، ويوجه قراراتنا، ويرسم حدودًا جديدة لكثير من علاقاتنا.

ولم تعد المصطلحات العلمية ألفاظًا معقدة يتداولها العلماء وأهل الاختصاص، بل أصبحت جزءًا من حديثنا اليومي، ومفاتيح لفهم عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. فكلما اتسعت معرفتنا بالمفاهيم، ازدادت قدرتنا على تفسير ما نراه ونسمعه، وأصبحنا أقل عرضة للخرافات، والمعلومات المضللة، والاجتهادات الشخصية، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات واعية في الصحة، والاقتصاد، والتقنية، والعمل.

فالإنسان اليوم يستخدم عشرات المصطلحات العلمية دون أن يتوقف عندها؛ يتحدث عن الفيروسات، والذكاء الاصطناعي، والسعرات الحرارية، والطاقة المتجددة، والأمن السيبراني، والاستدامة، والبيانات الضخمة، وقد لا يدرك معناها العلمي الدقيق، ومع ذلك فإن مجرد الإحاطة بهذه المفاهيم يفتح أمامه آفاقًا أوسع لاستيعاب الواقع.

فمن يعرف معنى المناعة، واللقاح، والهيموغلوبين، والكوليسترول، والمؤشر الجلايسيمي، سيكون أقدر على حماية صحته ممن يعتمد على الإشاعات أو التجارب الشخصية. ومن يفهم معنى التضخم يدرك أن المشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في انخفاض القوة الشرائية للنقود. ومن يعرف معنى الخوارزمية لن يظن أن ما يظهر له في وسائل التواصل يمثل الحقيقة كاملة، بل سيدرك أن ما يراه هو ما تتوقع المنصة أنه سيجذب انتباهه.

ولهذا فإن المصطلحات العلمية ليست أدواتً للتعقيد، وإنما أدواتٌ للتوضيح؛ فهي تمنح الأشياء أسماءً دقيقة، وتساعد العقول على تنظيم المعرفة، وتجعل الحوار أكثر وضوحًا، والقرارات أكثر عقلانية.

غير أن المشكلة لا تبدأ بالمصطلحات، وإنما بطريقة استخدامها. فالكلمات، مهما بلغت دقتها، قد تتحول إلى أدوات للالتباس إذا خرجت من سياقها، والمصطلح الذي وُلد في المختبر أو قاعة البحث قد يفقد دقته عندما ينتقل إلى منصات التواصل، حيث تختلط المعرفة بالانطباعات، والعلم بالآراء، والتشخيص بالأحكام.

ولأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تبسيط العالم، فإنه يجد في الأوصاف الجاهزة راحةً ذهنية؛ فهي تعفيه من عناء التأمل، وتمنحه وهم التفسير الكامل.

لقد أصبحنا نسمع في كل خلاف أو موقف أو علاقة أوصافًا جاهزة: «هذا نرجسي»، و«ذاك مكتئب»، و«آخر سام»، و«رابع انطوائي»، و«خامس مضطرب الشخصية». وهذه المفاهيم في أصلها تنتمي إلى علوم نفسية رصينة لها معاييرها الدقيقة، ولا يصح إطلاقها إلا في سياقات علمية محددة وعلى أيدي المختصين، لكن تداولها خارج هذا الإطار جعلها في كثير من الأحيان خطابًا يوميًا يُستخدم للحكم لا للمعرفة.

ولم يقتصر أثر هذا التحول على العلاقات الإنسانية، بل امتد إلى طريقة تلقينا للمعرفة نفسها؛ فأصبح كثيرون يقرؤون التاريخ في سطر، والفلسفة في تغريدة، والعلوم في مقطع قصير، ثم يظنون أنهم أحاطوا بما احتاج العلماء والمؤرخون سنوات لفهمه. وهكذا حلت العبارة المختصرة محل الفكرة المتكاملة، وغلبت سرعة الوصول إلى المعلومة على عمق استيعابها.

لقد تغيّر إيقاع الحياة، وسيطرت الإجابات السريعة، والأحكام المختصرة، والتفسيرات الجاهزة، وغابت الحكمة أمام إغراء الإيجاز، حتى بات كثيرون يظنون أن أول تفسير هو أصح تفسير، وأن أول حكم هو أعدل حكم. فمن اعتاد الانتقال بين المقاطع خلال ثوانٍ، يصعب عليه أن يمنح العلاقات الوقت الكافي للنضج، أو أن يصبر على الحوار، أو أن يتقبل أن بعض الحقائق لا تُفهم في دقيقة، وبعض البشر لا يُعرفون من كلمة.

وتخيل مجلسًا عائليًا اختلف فيه شاب مع والده، فلم يجد وصفًا لخلافه إلا أن يقول: «أبي نرجسي». وبعد دقائق وصفت الأخت أخاها بأنه «شخص سام»، وقالت الأم إن الجميع يعاني من «الضغط النفسي». خرج الجميع من المجلس وهم يحملون كلمات أكثر، لكنهم لم يحملوا فهمًا أكبر لبعضهم، إذ اختفت المشكلة الحقيقية خلف سيلٍ من التصنيفات.

ولعل هذا يفسر شيئًا من هشاشة العلاقات في عصرنا؛ فالابن لم يعد يحتمل كلمة عتاب من والديه، والزوجة تضيق بأدنى رأي من زوجها، والزوج كذلك، والإخوة والأخوات لم يسلموا من هذا المناخ الذي أصبح يبحث عن تصنيف الطرف الآخر أكثر من حرصه على المحافظة على وده. وأصبح من السهل أن تُنهى علاقة امتدت سنوات بسبب مقطع قصير، أو منشور عابر، أو رأي مجهول في إحدى المنصات.

ولا أقصد أن تتسع المفردات بقدر ما أقصد أن تتسع البصيرة؛ فعندها يمتلك الإنسان حكمةً أعمق في استخدام كلماته، ويصبح العلم وسيلةً لتوسيع المدارك لا لاختزال البشر، وأداةً للارتقاء بالمجتمع إذا أُحسن توظيفه.

فالدعوة ليست إلى التقليل من شأن العلوم النفسية، ولا إلى تهميش المصطلحات العلمية، بل إلى إعادة كل علم إلى موضعه الصحيح، وإحياء منظومة القيم التي حفظت العلاقات عبر القرون؛ من الحلم، والرفق، والصبر، وحسن الظن، والتماس الأعذار، والتثبت قبل إصدار الأحكام. فالإنسان ليس معادلةً رياضية، ولا مجموعةً من الصفات الثابتة، وإنما كيان تتداخل فيه التربية، والبيئة، والظروف، والخبرات، والقيم.

وسيظل العلم يضيف إلى قاموس الإنسان آلاف المفردات، لكن القيم وحدها هي التي تحفظ العلاقات من أن تتحول إلى ساحات للأحكام المتعجلة، وهي التي تمنح الإنسان الحكمة في اختيار كلماته وتوقيتها. فبها قامت الحضارات، وحُفظت البيوت، واستقرت العلاقات على الرحمة، والعدل، والوفاء، وجبر الخواطر، وهي قيم لا يعتريها التقادم.

فالكلمات ليست أوعيةً للمعاني فحسب، بل هي عدسات نرى بها العالم. والعلم يضيء العقول، والقيم تهدي القلوب، وليس أخطر ما في الكلمة أنها تصف الإنسان، بل أنها قد توهمنا بأنها أحاطت به.

فالإنسان أكبر من كل مصطلح، وأعمق من كل تصنيف، والتاريخ أوسع من عنوان، والحقيقة أغنى من مقطع، والحوار أسمى من حكم متعجل. وحين تستعيد اللغة رسالتها في البيان، تستعيد القلوب قدرتها على التفاهم، وتغدو الكلمات جسورًا نعبر بها إلى الإنسان… لا جدرانًا نعزله خلفها.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *