تُعد قصيدة «غيرُ مُجدٍ في ملتي واعتقادي» من أشهر قصائد أبي العلاء المعري، وقد حفلَت بتأملات فلسفية عميقة في الحياة والموت، وتقلبات الدنيا، ومصير الإنسان. ورغم اختلاف الباحثين في بعض أفكار المعري وتوجهاته، فإن هذه القصيدة بقيت من روائع الشعر العربي التي استوقفت الدارسين بما تحمله من صور بيانية وحكم وتأملات.
يقول المعري:
غيرُ مُجدٍ في ملَّتي واعتقادي
نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ
يرى المعري أن البكاء على ما فات، أو الفرح بما هو آتٍ، لا يغيران من حقيقة الدنيا شيئًا؛ فهي دار متقلبة لا تستقر على حال، فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بإقبالها، ولا أن ييأس عند إدبارها، بل يعيش متوازنًا، مدركًا أن الأفراح والأحزان سنة من سنن الحياة.
ثم يقول:
وشبيهٌ صوتُ النعيِّ إذا قيس
بصوتِ البشيرِ في كلِّ نادِ
ويواصل تصويره لتقلبات الحياة، فيجعل خبر الفقد وخبر البشارة سواءً في ميزان من أدرك حقيقة الدنيا، فهي لا تدوم لأحد، وما يفرح اليوم قد يحزن غدًا، وما يحزن اليوم قد يكون وراءه خير لا يعلمه الإنسان.
ثم يقول:
أبكتْ تلكمُ الحمامةُ أم غنَّت
على فرعِ غصنِها الميَّادِ
ويتساءل المعري: أكان صوت الحمامة بكاءً أم تغريدًا؟ وكأن الفرح والحزن يتداخلان في هذه الحياة، فلا يكاد الإنسان يميز بينهما، في إشارة إلى سرعة تبدل الأحوال وتقلب الأيام.
ثم ينتقل إلى أشهر أبيات القصيدة، فيقول:
صاحِ، هذه قبورُنا تملأُ الرحبَ
فأين القبورُ من عهدِ عادِ؟
يخاطب صاحبه، بل يخاطب الناس جميعًا، مذكرًا بأن الأرض امتلأت بقبور من سبقونا، ثم يتساءل: أين قبور الأمم السالفة كعادٍ وإرم وغيرهم؟! وكأنه يريد أن يلفت النظر إلى أن الأجيال تتعاقب، ويبقى المصير واحدًا، وأن الدنيا لا تدوم لأحد.
ويزيد هذا المعنى وضوحًا بقوله:
خفِّف الوطءَ، ما أظنُّ أديمَ الأرضِ
إلا من هذه الأجسادِ
وهذا من أبلغ أبيات القصيدة، إذ يدعو إلى التواضع، وعدم الكبر والخيلاء، مستحضرًا أن هذه الأرض قد ضمت في باطنها أجيالًا متعاقبة من البشر.
ويحضر في هذا المقام قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾
(سورة الإسراء: 37).
فالإنسان مهما بلغ من قوة أو سلطان، فإن مآله إلى التراب، ولن يحمل معه من دنياه إلا عمله.
ثم يقول المعري:
وقبيحٌ بنا وإن قَدُم العهدُ
هوانُ الآباءِ والأجدادِ
وهنا يقرر قيمة نبيلة، وهي وجوب حفظ مكانة الآباء والأجداد، وعدم الانتقاص منهم أو الإساءة إلى ذكراهم، ففضلهم لا يسقط بمرور الزمن، بل يبقى محفوظًا في النفوس.
ويتابع:
سِرْ إن استطعتَ في الهواءِ رويدًا
لا اختيالًا على رفاتِ العبادِ
ويؤكد المعنى نفسه، داعيًا إلى نبذ الكبر والتواضع، فالأرض التي يمشي عليها الإنسان قد احتضنت رفات أمم كثيرة، فلا يليق به أن يمشي عليها مختالًا متكبرًا.
ويقول المعري:
رُبَّ لحدٍ قد صار لحدًا مرارًا
ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
ويصور الشاعر هنا تعاقب الأجيال، فالقبر الواحد قد يُدفن فيه أكثر من إنسان مع مرور الزمن، حتى كأنه يبتسم من اجتماع المتناقضات فيه؛ فهذا غني، وذاك فقير، وهذا عظيم، وذاك بسيط، وقد استوى الجميع بعد الموت، فلا فضل لأحد على أحد إلا بما قدم من عمل صالح.
ثم يقول:
ودفينٍ على بقايا دفينٍ
في طويلِ الأزمانِ والآبادِ
ويؤكد بهذا البيت أن الإنسان يعيش فوق آثار من سبقوه، وأن الأرض قد احتضنت عبر القرون أعدادًا لا تُحصى من البشر، حتى أصبح الدفين يُوارى فوق بقايا دفين آخر.
ويحضر في هذا المعنى ما قاله الشاعر إيليا أبو ماضي:
انظري كيف تساوى الكلُّ في هذا المكان
وتلاشى في بقايا العبدِ ربُّ الصولجان
*********
والتقى العاشقُ والقالي فما يفترقان
أفهذا منتهى العدل؟ فقالت: لستُ أدري.
ثم يقول المعري:
تعبٌ كلُّها الحياةُ فما أعجبُ
إلا من راغبٍ في ازديادِ
وهنا يقرر أن الحياة لا تخلو من المشقة والابتلاء، فهي دار عمل وكدٍّ وتعب، ولذلك يتعجب ممن يجعلها غاية همِّه، أو يتنافس عليها تنافسًا يوقعه في الخصومات والعداوات، مع أنها دار ممر لا دار مقر.
ثم يقول:
إنَّ حزنًا في ساعةِ الموتِ أضعافُ
سرورٍ في ساعةِ الميلادِ
ويلفت إلى أن وقع الفقد على النفوس أشد من فرحة الميلاد؛ لأن الإنسان يرتبط بمن يحب، فإذا فارقه بالموت كان الألم عظيمًا، ولهذا جاءت الشريعة تحث على الصبر والاحتساب عند المصائب، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
(سورة الزمر: 10).
ثم يقول:
خُلِقَ الناسُ للبقاءِ فضلَّتْ
أمةٌ يحسبونهم للنَّفادِ
ويرى بعض شُرّاح القصيدة أن المعري يشير إلى أن الموت ليس فناءً مطلقًا، وإنما انتقال من مرحلة إلى أخرى، وأن الإنسان مخلوق لدارٍ باقية بعد هذه الحياة، وإن اختلف الباحثون في تفسير هذا البيت ودلالاته.
ويؤكد ذلك بقوله:
إنما يُنقلون من دارِ أعمالٍ
إلى دارِ شقوةٍ أو رشادِ
وهذا المعنى ينسجم مع ما جاء في القرآن الكريم من أن الإنسان ينتقل بعد موته إلى جزاء عمله، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾
(سورة هود: 105).
ثم يختم هذا المقطع بقوله:
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريحُ
الجسمُ فيها، والعيشُ مثلُ السهادِ
ويصور الموت على أنه راحة للجسد من عناء الدنيا وتعبها، غير أن المسلم يؤمن بأن ما بعد الموت هو بداية مرحلة جديدة من مراحل الآخرة، فيها نعيم أو عذاب، وسؤال القبر وفتنته، ثم البعث والحساب والجزاء، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، فلا تكون الراحة المطلقة إلا لأهل الإيمان الذين رحمهم الله وأكرمهم بحسن الخاتمة.
وتبقى هذه القصيدة واحدةً من أشهر قصائد أبي العلاء المعري، لما اشتملت عليه من تأملات فلسفية في الدنيا والموت، وتقلب الأحوال، ومصير الإنسان. وعلى الرغم من اختلاف العلماء والباحثين في بعض أفكار المعري ورؤاه، فإن القصيدة تظل أثرًا أدبيًا بارزًا في التراث العربي، تستحق القراءة والتأمل، مع النظر إليها بعين الناقد الواعي، الذي يميز بين جمال الصياغة الأدبية، وما يوافق أصول العقيدة الإسلامية أو يخالفها.
✍️ إبراهيم يحيى أبو ليلى
مقالات سابقة للكاتب