أموات يُصلحون بين الأحياء

المناسبات التي يجتمع فيها الناس للعزاء تختلف عن سائر المناسبات، فهي تُقام لأن روحًا فارقت الدنيا، وتركت خلفها فراغًا لا يملؤه شيء… إنها لحظات يختلط فيها الحزن بالسكينة، والدموع بالصبر، والذكريات بالدعاء، فيقف الجميع أمام حقيقة واحدة لا يستطيع أحد أن يفر منها، وهي أن الموت نهاية كل حي، وبداية الرحلة إلى الدار الآخرة.

في مجلس العزاء تسقط كثيرٌ من الحواجز التي صنعتها الدنيا.. خصوماتٌ امتدت أعوامًا قد تنتهي بمصافحة صادقة، وقلوبٌ حملت شيئًا من الضغينة تلين حين ترى أهل الميت مكلومين، فيتذكر الجميع أنهم مهما اختلفوا فإن مصيرهم واحد. هناك تتراجع الأهواء، وتصغر المشكلات، ويعلو صوت الرحمة على صوت الخصومة، وكأن الموت يعلّم الناس درسًا بليغًا في أن ما بقي بينهم من المودة خيرٌ مما مضى من الخلاف.

وللعزاء أثرٌ اجتماعي عظيم، فهو يجمع الأقارب والأصدقاء والجيران، بل قد يلتقي فيه أناسٌ لم تجمعهم الأيام منذ سنوات طويلة. تتجدد الأواصر، وتُستعاد الذكريات، وتُقدَّم كلمات المواساة، وتُرفع الأكف بالدعاء، ويسود المكان وقارٌ وخشوع، وتغمر النفوس سكينةٌ لا ككل سكينة؛ لأن الجميع يستشعر قرب الآخرة، وأن هذا المشهد قد يكون غدًا له أو لمن يحب.

وقد عظّم الإسلام شأن الميت، فأمر بإكرامه حيًا وميتًا، وجعل له من الحرمة بعد وفاته ما يدل على مكانته. قال رسول الله ﷺ: «كسر عظم الميت ككسره وهو حي»، وهو حديث يدل على أن حرمة المسلم لا تزول بموته، بل يبقى مصون الكرامة حتى بعد أن يفارق الدنيا.

كما رغّب النبي ﷺ في الصلاة على الجنائز واتباعها، فقال: «من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان». قالوا: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، وفي رواية: «مثل جبل أحد». فما أعظم فضل الله، إذ كان هذا الميت سببًا لأن ينال الأحياء هذا الثواب الجزيل، وكأن من آخر ما يقدمه المؤمن لإخوانه بعد وفاته أنه يفتح بابًا للأجر والمغفرة لمن صلى عليه، وشيّعه، ودعا له.

ومن هنا ندرك أن الميت، وإن انقطع عمله، يبقى سببًا في اجتماع الناس على الخير، وإحياء معاني الرحمة والتكافل، وتذكير القلوب بعد طول غفلتها. فكم من إنسان عاد إلى ربه بعد حضوره جنازة، وكم من خصومة انتهت في مجلس عزاء، وكم من قلبٍ قسا فأحياه مشهد قبرٍ يُهال عليه التراب.

ولقد أوصى النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الموت، فقال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» يعني الموت. فمن أكثر من ذكره رقّ قلبه، وقصرت آماله في الدنيا، واستعد للقاء ربه.

والموت سنةٌ ماضية كتبها الله على جميع خلقه، قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، وقال جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. حتى سيد الخلق محمد ﷺ ذاق الموت، وكانت وفاته أعظم مصيبة نزلت بالأمة، حتى اضطربت لها قلوب الصحابة رضي الله عنهم، وما زالت الأمة إلى يومنا هذا تستشعر ألم ذلك الفراق، مع يقينها بأن سنته ماضية في الأولين والآخرين.

وقد أخبر النبي ﷺ أن أعمار أمته ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، ليعلم الإنسان أن عمره محدود، وأن أيامه معدودة، وأن الحكمة أن يستثمرها فيما ينفعه قبل أن يُحمل كما حُمِل غيره على الأكتاف.

إننا نفقد الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأبناء والأحفاد، والأصدقاء والأحبة، ونشيّعهم إلى قبورهم، ثم نعود وقد نقص منا جزءٌ لا يعوضه شيء. لكن عزاء المؤمن أن الموت ليس فناءً، بل انتقالٌ من دار العمل إلى دار الجزاء، ومن حياةٍ قصيرة إلى حياةٍ أبدية. خلقنا الله من تراب، وإليه نعود، ثم يبعثنا يوم القيامة للحساب. فمن رحمته سبحانه أن جعل بعد هذا الفراق لقاءً آخر لأهل الإيمان في جنات النعيم، حيث لا حزن ولا فراق، ويلتقون بالأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ.

فالحمد لله الذي يجمعنا في الدنيا على المحبة والتراحم، ويجعل الفراق تذكرةً بالآخرة، ويوقظ القلوب من غفلتها. ونسأل الله تعالى أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يغفر لهم، ويجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وأن يحسن ختامنا، ويجمعنا بمن نحب في مستقر رحمته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *