كيمياء الحُبّ وفيزياء الفهم!

الحُبُّ -على عظمته- قد يمنح الدفء دون أن يمنح الرؤية؛ وقد يضمّ الإنسان إلى الصدر، بينما يترك روحه وحيدة في العتمة.
أما الفهم، فهو الفعل الوحيد الذي يُعيِّد الكائن إلى نفسه، كأن أحداً استطاع أخيراً أن يقرأ النص الذي ظلَّ صاحبه عاجزاً عن شرحه حتى لنفسه.
لهذا ربما لم يكن الإنسان يسأل الآخر:
“هل تحبني؟” بقدر ما كان يسأله في صمت: “هل ترى ما لا أستطيع قوله؟”
إن أعظم مآسي البشر ليست في قلة المحبة، وإنما في كثرة التأويل.
فالناس لا يعاملون بعضهم كما هم، بل كما يفسرونهم. وما أكثر ما يُدان الصادق؛ لأنه لم يُفهم، ويُساء الظن بالحزين؛ لأنه لم يُحسن التعبير عن ألمه، ويُتَّهم الصامت بالكبرياء، وهو في الحقيقة يحمل في داخله ضجيجاً لا يتسع له اللسان، ولا يستطيع حمْله البيان.
والمتبصر لأحوال الناس؛ يجد أننا لا نعيش داخل ذواتنا فقط، بل نعيش أيضاً داخل صور الآخرين عنا.
ولذلك فإن سوء الفهم ليس خطأً اجتماعياً عابراً، بل هو تشويه وجودي؛ إذ لا يجعل الإنسان غريباً عن العالم الذي يسكنه فحسب، بل غريباً عن نفسه أحياناً.
فكل تفسير خاطئ يضيف قناعاً جديداً إلى الوجه؛ حتى ينسى المرء أيّ الوجوه كان وجهه الأول.
الحب يستطيع أن يقول: “ابقَ معي”
أما الفهم فيقول: “كن كما أنت”
وهنا يكمن الفرق الهائل.
فالحّبّ قد يرغب أحياناً في امتلاك الآخر، أو في تشكيله وفق الصورة التي يتمناها. أما الفهم فلا يفرض صورة، بل يهدم الصور كلها. إن الفهم لا يسأل: لماذا لا تشبهني؟ ، بل يسأل: كيف أصبحت أنت؟
فالحب حسب الكيمياء التي تُشكّله، وتُشكّل صاحبه وغيره؛يطمع دوماً أن يّعيِّد من نحب إلى عناصر تلك الكيمياء التي ينطلق منها.
بينما الفهم حسب الفيزياء التي يُصاغ منها؛ لديه القدرة على التمدد، وإعادة فيزياء المكان والزمان، في الوقت الذي لا تطلب من الشريك أن يتشكّل وفق تصوُّرنا عنه ونظرتنا إليه. إنه يستوعب الاختلاف الذي يخلق تناغماً وانسجاماً متفرداً يعجز الحُبّ عن الوفاء به.
فالفهم لا يقيس الإنسان بمعاييره، بل يحاول أن يرى العالم من النافذة التي يطل منها ذلك الإنسان.
ولذلك كان الفهم أكثر رحمة من الحب؛ لأن الحب قد يختلط بالرغبة، وبالخوف، وبالاحتياج، وبالأنانية المقنّعة، بينما الفهم لا يحتاج إِلَّا إلى شجاعة الخروج من سجن الذات.
إن الإنسان يقضي حياته كلها تقريباً وهو يترجم نفسه. فالطفل يبكي؛ لأنه لا يعرف الكلمات، والشاب يكتب؛ لأنه لا تكفيه الكلمات، والشيخ يصمت؛لأنه أدرك أن الكلمات نفسها أصبحت أقل من أن تحمل أثقال العمر.
وفي كل هذه المراحل لا يتغير الطلب الحقيقي، وهو أن يوجد شخص يستطيع أن يلتقط المعنى قبل العبارة، والجرح قبل الشكوى، والارتباك قبل الاعتذار.
ولعلّ هذا ما يفسر تلك الوحشة التي قد يشعر بها المرء وهو محاط بمن يحبونه. فليس كل حُبّ يُبدّد الوحدة.
فقد يحبك الجميع، ومع ذلك تبقى أكثر الناس عزلةً؛ لأن أحداً لم يصل إلى المنزلة التي تسكنها روحك.
وقد يفهمك شخص واحد؛ فتسقط عن قلبك سنوات طويلة من الغربة؛ وكأن الوجود كله أصبح أقل قسوة.
إن الفهم يمنح الإنسان شرعية وجوده.
إنه يقول له دون كلمات: “لست مضطراً إلى الدفاع عن حقيقتك أمامي”
وهذه العبارة وحدها قد تكون أعظم هدية يتلقاها العقل المتعب. فالإنسان يستنزفه أن يشرح نفسه أكثر مما يستنزفه أن يعيشها.
ومن هنا كانت الفلسفة -في جوهرها-محاولة للفهم قبل أن تكون محاولة للمعرفة. فالمعرفة تجمع الحقائق، أما الفهم فيكشف العلاقات الخفية بينها.
وكذلك الإنسان ليس مجموعة أفعال متفرقة، بل تاريخ طويل من الخسارات، والمخاوف، والآمال،والانكسارات، ولا يمكن قراءة لحظة من هذا التاريخ بمعزل عن الرحلة كلها.
إننا لا نخطئ حين نطلب الحب، لكننا نخطئ حين نظن أنه الغاية الأخيرة. فالمحبة قد تمنح الطمأنينة، أما الفهم فيمنح الحرية. والحب قد يخفف الألم،أما الفهم فيكشف معناه. وبين تخفيف الألم وفهمه مسافة هي نفسها المسافة بين العيش والوعي.
وربما لهذا السبب كان أكثر الناس حكمةً؛ أقلهم حاجة إلى أن يكون محبوباً من الجميع، وأكثرهم حاجةً إلى أن يجد عقلاً واحداً،أو روحاً واحدة، تستطيع أن تقول له: “لقد رأيتك كما أنت”
فأن تُحَبّ، وأنت مُساء فَهْمُك؛ يشبه حال أن يُصفق الناس لمسرحيةٍ لم يشاهدوها، أو أن يمتدحوا كتاباً لم يقرأوا منه إلا عنوانه.
أما أن تُفهم؛ فذلك يعني أن أحداً عَبَرَ المتاهة كلها، ووصل إلى مركزك الحقيقي، لا إلى الظل الذي تلقيه على الجدران.
ولعلّ الإنسان منذ فجر الوعي وحتى آخر أنفاسه، لم يكن يبحث عن قلبٍ يحتضنه فقط، بل عن عينٍ تبصره كما هو؛ لأن الحب يطمئن الوجود، أما الفهم فيُبرِّره.
وإذا كان الحب يمنح الحياة دفئها، فإن الفهم يمنحها معناها، وما من روحٍ تستطيع أن تعيش طويلاً بلا معنى مهما أغدق عليها العالم من محبة.
ويمكن القول أن جورج أورويل‏ صدق حين قال:
“ربما لم يكن الإنسان يريد أن يُحَبّ بقدر ما كان يريد أن يُفْهَم”!.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *