ما من شيء في هذا الكون إلا وهو في رحلة؛ تتعاقب الفصول، وتمضي السحب، وتجري الأنهار، وتحمل الرياح البذور إلى أرض لم تعرفها من قبل، وتغادر الطيور أوطانها ثم تعود إليها في مواعيد لا تكاد تخطئها، وكأن الحركة ليست أمرًا عارضًا في الحياة، بل سُنَّة كونية ماضية ينتظم بها هذا الوجود.
ولعل الانتقال من أكثر ما يوسع مدارك الإنسان، فهو لا يغيّر المكان وحده، بل يعيد تشكيل الرؤية، ويحرره من ضيق التجربة الواحدة، ويكشف له من الحياة ما لم يكن ليراه لو بقي أسير مألوفه.
لذلك يبدو الانتقال، في ظاهره، مشقةً، لكنه كثيرًا ما يخفي في باطنه رحمة؛ لأنه يفتح أبوابًا للفهم، ويمنح النفس قدرة أوسع على استيعاب الاختلاف، ورؤية الناس في سياقاتهم، لا في الأحكام المسبقة عنهم.
وحين يُسأل العلماء: «لماذا تهاجر الطيور؟» تأتي الإجابة دقيقة بقدر ما هي مدهشة؛ فالهجرة ليست قرارًا واعيًا، وإنما استجابة لمنظومة متكاملة، يتبدل فيها طول النهار، وتنخفض درجات الحرارة، وتتغير الهرمونات، فتوقظ ساعةً بيولوجية تعلن موعد الرحيل، ثم تتولى الشمس، والنجوم، والمجال المغناطيسي للأرض، إلى جانب المعالم الجغرافية، بأمر ربها، رسم الطريق حتى تبلغ الطيور وجهتها.
ومن أعجب الأمثلة الخرشنة القطبية، وهي طائر بحري يهاجر كل عام بين المناطق القطبية الشمالية والجنوبية، قاطعًا واحدة من أطول الرحلات المعروفة في عالم الحيوان، وكلما تقدم العلم في كشف أسرار هذه الظاهرة، ازداد الإنسان يقينًا بأنه أمام نظام بالغ الدقة، تتكامل فيه قوانين الخلق بصورة تثير الإعجاب.
ومن يتأمل هذا المشهد يدرك أن الانتقال ليس سلوكًا يخص الطيور وحدها، بل سُنَّة كونية تسري في هذا الوجود.
فالنحلة تمضي بين الأزهار، لكنها لا تحمل معها لونًا ولا شكلًا، وإنما تعود بالرحيق ليصبح عسلًا؛ لأنها لا تنشغل بكل ما تقع عليه عيناها، وإنما بما يستحق أن تحمله. وكذلك الرياح تنقل البذور، فتستقر في أرض بعيدة، ثم تصبح يومًا ظلًا وثمرًا. وكذلك السحب؛ فهي تعبر الآفاق، فإذا مرت بأرض عطشى أيقظت فيها الحياة.
وفي أعماق البحار تشق الأسماك مسارات طويلة، ثم يعود بعضها إلى الموطن الذي خرج منه، وكأن للماء ذاكرةً تحفظ الطريق.
حتى الضوء، والصوت، والحرارة، والروائح، لكل منها رحلة، وكأن الكون بأسره يعيش في حركة لا تعرف السكون.
غير أن انتقال الإنسان يختلف عن كل ذلك، فهو لا يحمل جسده فحسب، بل يحمل معه فكره، ومشاعره، وقيمه، وخبراته، وانطباعاته.
فالكلمة تنتقل من لسان إلى قلب، والابتسامة تستقر في ذاكرة، والكتاب يعبر الأجيال، والفكرة قد تغيّر مجتمعًا، كما قد تهدم حروف عابرة ما بنته سنوات من الثقة.
ولعل أول أثر يتركه الانتقال في حياة الإنسان يبدأ قبل أن يدركه، وهو رضيع بين ذراعي أمه، لا ينال غذاءه فحسب، بل يعيش معنى الأمان، والاحتواء، والسكينة، قبل أن يتعلم النطق أو يميز الوجوه، وكأن الله جعل أول ما يلقاه الإنسان من الدنيا رحمةً تُعاش قبل أن تُوصف.
وهنا يتغير السؤال: ليس كيف ننتقل؟ ولا إلى أين ننتقل؟ بل ماذا نحمل ونحن ننتقل؟ فليس كل من شهد الموقف نفسه خرج بالمعنى ذاته، وليس كل من عرف الإنسان نفسه احتفظ بالصورة نفسها.
قد يختزل أحدهم أعوامًا من المعروف في لحظة لم توافق توقعه، بينما يستحضر آخر تاريخًا كاملًا من المودة قبل أن يسمح لزلة واحدة أن تغيّر حكمه.
وقد يعيش إنسان بين الناس فلا يرى إلا مواطن النقص، يفتش في الكلمات عن زلاتها، وفي التصرفات عن عيوبها، بينما يقف آخر في المكان نفسه، وبين الأشخاص أنفسهم، فلا يغفل عن الخطأ، ولا يغفل، في الوقت نفسه، عن الفضل، فيبقى حكمه أكثر اتزانًا.
وليس لأن الوجوه تبدلت، بل لأن القلوب أعادت رسم صورها؛ فالقلب لا يقتصر دوره على ضخ الدم، بل هو تلك المضغة التي يدور عليها صلاح الإنسان وفساده، وهو المترجم الخفي لما تلتقطه الحواس، ومن خلاله تتشكل المعاني، وتُقرأ المواقف، وتُبنى الأحكام، وتُعاد صياغة صورة العالم من حولنا؛ لذلك قد يسمع اثنان العبارة نفسها، فيراها أحدهما نصحًا، ويعدها الآخر إساءة، مع أن الكلمات لم تتغير، وإنما اختلف القلب الذي استقرت فيه.
ومع مرور الأيام يكتشف الإنسان أن ما يفيض منه هو، في الغالب، امتداد لما يفيض في داخله؛ فالرحمة تجد طريقها إلى الآخرين، كما يجد الحسد سبيله إليهم، وحسن الظن ينعكس على طريقة القراءة، كما يفعل سوء الظن.
ولعل أعظم الرحلات ليست تلك التي تقطعها الأجنحة في السماء، ولا التي تشقها الأسماك في أعماق البحار، بل الرحلات التي يقطعها القلب وهو يراجع أفكاره، ويعيد ترتيب نظرته إلى الناس، وينتقل من ضيق الأحكام إلى سعة الفهم.
وحين تتأمل سرب الطيور وهو يعبر الأفق، لا يلفتك طول المسافة بقدر ما يلفتك يقين الوصول، وكذلك النحلة لا يدهشك انتقالها بين الأزهار، بل حسن اختيارها لما تعود به.
وربما لم تكن القضية يومًا فيما ننقله، بل فيما نحمله داخلنا… حتى الكلمة، حين تخرج، تبدأ رحلتها، وحين تقع يبدأ أثرها.
مقالات سابقة للكاتب