القدوة المنحرفة… حين يصنع المربّي انحراف الأبناء

حين ينحرف الابن سلوكيًا أو أخلاقيًا، يسارع البعض إلى لوم المدرسة، أو المجتمع، أو أصدقاء السوء، أو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة التي لا يحب كثيرون مواجهتها هي أن الانحراف، في بعض الحالات، يبدأ من داخل البيت نفسه.

فكيف نطلب من الأبناء الاستقامة إذا كان الأب أو الأم، أو كلاهما، يمارس سلوكًا منحرفًا أمامهم؟

فالطفل لا يتعلم من الكلام بقدر ما يتعلم من النموذج الذي يراه يوميًا. فالأب المدخن الذي ينهى ابنه عن التدخين، والأم التي تمارس الكذب ثم تطلب من ابنتها الصدق، والوالدان اللذان يعيشان الفوضى الأخلاقية أو السلوكية ثم ينتظران أبناءً مستقيمين… جميعهم يعيشون تناقضًا تربويًا شديد الخطورة.

الأبناء يراقبون أكثر مما يسمعون.

وقديمًا قيل: «أفعالك ترفع صوتها حتى لا أسمع كلامك.»

وحين يرى الطفل أباه يتعاطى المخدرات، أو يشاهد والدته تمارس سلوكيات خاطئة، أو يعيش في بيتٍ مليء بالعنف، والكذب، والخيانة، والانفلات، فإن الانحراف لا يعود أمرًا مستغربًا، بل قد يصبح في وعيه شيئًا طبيعيًا.

ومن أخطر ما لاحظته، بحكم خبرتي المهنية في العمل الاجتماعي، أن بعض الآباء يشتكون من انحراف أبنائهم، بينما جذور المشكلة كامنة فيهم هم أنفسهم. فأحيانًا تجد الأب غارقًا في الإدمان، أو الأم غارقة في علاقات مضطربة، ثم يتساءلان بدهشة:

«لماذا أصبح ابننا منحرفًا؟»

والجواب المؤلم هو:

لأن الأبناء، في الغالب، يشربون من البيئة التي نشؤوا فيها.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

وقد بدأت الآية الكريمة بإصلاح النفس قبل الأهل؛ لأن فاقد الشيء يصعب عليه أن يمنحه.

والانحراف الأسري لا يعني فقط الجرائم الكبرى أو الإدمان، بل قد يبدأ من أمور يستهين بها البعض، مثل: الإهمال، والشتائم اليومية، وغياب القدوة، والتفكك الأسري، والتطبيع مع الحرام، أو الاستهانة بالصلاة والقيم.

ومع مرور الزمن، تتحول هذه الانحرافات الصغيرة إلى بيئة خصبة لانحراف الأبناء نفسيًا، وسلوكيًا، وأخلاقيًا.

لكن، رغم قسوة الصورة، يبقى الأمل قائمًا؛ فإصلاح الأب أو الأم قد يكون بداية إصلاح البيت كله. فكثير من الأبناء لا يحتاجون إلى محاضرات طويلة بقدر حاجتهم إلى رؤية توبة صادقة، وتغيير حقيقي من والديهم.

إن أردنا أبناءً صالحين، فعلينا أولًا أن نسأل أنفسنا بصدق:

أيَّ نموذجٍ نقدمه لهم كل يوم؟

فالبيت الذي يفقد القدوة يصعب عليه صناعة الاستقامة، والأبناء الذين ينشؤون في بيئة منحرفة ليسوا دائمًا مذنبين، بقدر ما هم ضحايا لتربية مختلة.

وقبل أن نسأل: لماذا انحرف الأبناء؟

علينا أن نسأل أولًا:

ماذا رأى الأبناء في بيوتهم؟

✍️ د. عبدالرحمن حسن جان
دكتوراه في علم الاجتماع
باحث في القضايا الأسرية والاجتماعية

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *