وقف الأب عند باب غرفة إبنه قبيل الفجر وناداه برفق ليوقظه إلى الصلاة فتح الإبن عينيه بصعوبة ثم عاد سريعًا إلى هاتفه الذي لم يفارقه منذ الليلة الماضية فقد كان يخوض جولة جديدة في لعبة إلكترونية لا تنتهي، أغلق الأب الباب في هدوء ولم يكن يؤلمه أن إبنه نام عن صلاة الفجر بقدر ما آلمه أن يرى عمرًا كاملًا يتسرب من بين يديه قطرةً بعد قطرة عندها أدرك أن كثيرًا من الشباب لا يضيعهم نقص الذكاء وإنما يضيعهم غياب البوصلة.
حين يطوي الإنسان صفحات عمره ويسترجع محطات حياته يدرك أن الحكمة لا تُوهب بل تُصاغ من التجارب وأن البصيرة ثمرة أعمارٍ دفعت أثمانها من القلب والعقل والوقت غير أن أشد أنواع النضج إيلامًا هو أن ترى بعين الخبرة جيلًا يكرر الأخطاء نفسها التي دفع السابقون ثمنها فيسير إلى العثرات ذاتها رغم كثرة من نادوه وحذروه.
ذلك هو وجع المربي أن يرى أولويات جيلٍ تتبدل فينشغل بما يسرق عمره أكثر مما يبني مستقبله فلا يملك إلا كلمة صادقة وقلبًا مشفقًا ودعاءً لا ينقطع بأن يحفظ الله من أحب.
في كل مرحلة من مراحل الحياة نتعلم درسًا ثم تتحول تلك الدروس إلى أمانة في أعناقنا تجاه من يأتي بعدنا مصداقًا لقول النبي ﷺ كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته فالمربي راعٍ في بيته ومجتمعه ومسؤوليته لا تقتصر على تربية الأجساد بل تمتد إلى رعاية العقول وحفظ الأوقات وصيانة القيم قبل أن تعبث بها رياح التشتت.
وما أقسى أن ترى أبناءك وطلابك ومن تحب يستهلكون أجمل سنوات أعمارهم فيما لا يبني عقلًا ولا يصنع خلقًا ولا يفتح أفقًا ساعات طويلة أمام ألعاب إلكترونية ومحتوى سطحي ولهث خلف مشاهير يصنعون الضجيج أكثر مما يصنعون القيمة حتى غدا كثير منهم بعيدًا عن القرآن متثاقلًا عن الصلاة مستنزفًا وقته في عالم صُمم بعناية ليستحوذ على انتباهه ويملأ فراغ روحه بما لا يغذيها وكأنهم فقدوا الإحساس بأن للعمر رسالة وأن للإنسان غاية أسمى من مجرد الاستهلاك والترفيه السلبي قال تعالى *﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾*.
ولا نبكي لأننا نرفض العصر أو نخشى التقنية فالتقنية من أعظم نعم الله إذا أُحسن توظيفها وإنما نبكي لأننا نعرف ثمن الغفلة قبل أن يعرفوه لقد رأينا الطريق من نهايته ونعلم أن العمر إذا أُهدر فلن يعود وأن العقل إذا اعتاد التشتت صعب عليه استعادة تركيزه وأن القيم إذا ضعفت احتاج بناؤها إلى سنوات طويلة.
ومع ذلك فإن اليأس ليس خيارًا فالتغيير لا يبدأ بالمؤسسات الكبرى وحدها بل يبدأ بكلمة صادقة وحوار هادئ وقدوة حسنة وعمل مخلص امتثالًا لقوله تعالى *﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾*.
ويبدأ التغيير أيضًا ببناء البدائل بساعة يومية مع كتاب أو مجلس قرآن أو حوار أسري أو مشروع نافع أو مهارة جديدة تمنح الشاب لذة الإنجاز بدلًا من إدمان الاستهلاك فالأبناء لا يتعلمون مما نقوله بقدر ما يتعلمون مما يرونه في حياتنا.
وليس المشهد كله قاتمًا فما تزال هذه الأمة تزخر بشباب يحفظون كتاب الله ويبدعون في العلم ويتميزون في ميادين المعرفة ويقدمون نماذج مشرقة تبعث على التفاؤل وهؤلاء هم البرهان على أن أزمة الجيل ليست أزمة قدر بل أزمة توجيه وبيئة وقدوة وما نراه من النماذج المضيئة يؤكد أن المشكلة ليست في قدرات شبابنا وإنما في كثرة ما ينازعهم على عقولهم وأوقاتهم ومتى اجتمعت القدوة الصالحة والبيئة المعينة والتوجيه الحكيم عاد الخير إلى موضعه واستعاد الشباب قدرتهم على البناء والعطاء.
إن دعوتنا ليست إلى قطيعة مع العصر ولا إلى مصادرة متع الحياة بل إلى استرداد المعنى أن تكون التقنية وسيلة لا سيدًا وأن يكون الإنسان قائدًا لوقته لا أسيرًا لشاشته وأن تُقاس قيمة الإنسان بما يضيفه إلى الحياة من علم وعمل وأثر لا بما يحصده من مشاهدات وإعجابات.
فيا أيها الغيورون على عقول أبنائكم لا تستسلموا لليأس وازرعوا الخير حيث استطعتم وأحسنوا الكلمة وأتقنوا القدوة واصبروا على التربية فالبناء العظيم يبدأ بلبنة، وإصلاح الأجيال يبدأ بقلب مؤمن برسالته فلا تستصغروا أثر كلمة ولا تستهينوا بحوار ولا تيأسوا من محاولة فرب نصيحة أخلصت فيها النية غيّرت مسار إنسان ورب قدوة صادقة صنعت جيلًا كاملًا.
فالأجيال لا يغيرها الصراخ وإنما يغيرها الصبر ولا تبنيها الخطب وإنما تبنيها القدوة ولا يصنع مستقبلها كثرة الأمنيات وإنما تصنعه الأعمال الصغيرة التي يداوم عليها أصحاب الرسالات.
امضوا في طريق الإصلاح بإخلاص وإتقان واتركوا النتائج لمن بيده القلوب ومقادير الأمور فالتاريخ لم تصنعه المؤسسات العظيمة وحدها بل صنعه أيضًا رجال ونساء بدأوا وحدهم يحملون فكرة صادقة ورسالة مخلصة وإيمانًا راسخًا بأن الخير لا يضيع عند الله.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب