لماذا لم يأمر الله موسى أن يهزم فرعون بالكلمات؟

في زمنٍ أصبحت فيه سرعة الرد تُعدُّ بطولة. وارتفاع الصوت يُحسب قوة. يطرح القرآن سؤالًا يعيد ترتيب مفاهيمنا من جديد. لماذا لم يأمر الله موسى عليه السلام أن يهزم فرعون بالكلمات؟

هناك مواقف في القرآن لا تُروى من أجل التاريخ. بل من أجل الإنسان. مواقف لا تنتهي بانتهاء قصتها. لأنها خُلقت لتبقى منهجًا لكل زمان. ومن أعجب هذه المواقف أن الله وهو يرسل موسى عليه السلام إلى أعظم طاغية عرفته البشرية. لم يأمره أن يشهر لسانه. ولم يوصه بأن يكسر خصمه ببلاغته. ولم يجعله ينتصر بالكلمات الجارحة. بل قال له ولأخيه هارون. ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. فالله لم يكن يعلّم موسى كيف يهزم فرعون. بل كيف لا يصبح شبيهًا به.

فالطغيان لا يبدأ عندما يملك الإنسان سلطةً على الناس. بل يبدأ عندما يظن أن قسوة الكلمة دليل قوة. وأن إهانة الآخرين انتصار. ولذلك جاء التوجيه الإلهي ليؤكد أن الحق لا يحتاج إلى الغلظة حتى يكون حقًا. وأن الرسالة لا تزداد قوة كلما ارتفع الصوت. وإنما كلما ارتفعت الأخلاق.

إن كثيرًا من معارك البشر لا يخسرها أصحاب الحق بسبب ضعف حجتهم. بل بسبب الطريقة التي حملوا بها هذا الحق. فكم من كلمةٍ صادقة أُغلقت في وجهها القلوب لأنها خرجت بثوب التعالي. وكم من نصيحةٍ غيّرت إنسانًا لأنها جاءت محمولةً على جناح اللين.

ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه الآية أن الأخلاق ليست وسيلةً نلجأ إليها عندما يكون الطريق سهلًا. بل هي المبدأ الذي نتمسك به حين يصبح التخلي عنه أسهل من التمسك به. فأن تكون لطيفًا مع من يوافقك أمرٌ طبيعي. أما أن تضبط لسانك أمام من يستفزك. فهناك فقط يُعرف معدن الإنسان.

لقد أصبح العالم اليوم يمنح الإعجاب لمن يربح الجدال. بينما القرآن يعلّمنا أن القيمة الحقيقية ليست في إسكات الخصم. بل في ألا نخسر أنفسنا أثناء الحوار. فليس كل من غلب الناس كان منتصرًا. وليس كل من صمت كان مهزومًا. فهناك صمتٌ يحفظ الكرامة. وهناك كلماتٌ تهدم سنواتٍ من الاحترام في لحظة غضب.

ومن يتأمل حياته سيكتشف أن أكثر العلاقات التي انتهت لم تنتهِ بسبب اختلاف المبادئ. بل بسبب قسوة العبارات. وأن أكثر الندم الذي يحمله الإنسان ليس لأنه قال الحقيقة. بل لأنه قالها بطريقةٍ جرحت أكثر مما أصلحت.

إن الله كان قادرًا أن يهلك فرعون بكلمة. لكنه أراد أن يبقى أسلوب موسى شاهدًا على أن الأنبياء لا يحملون الحق بأخلاق خصومهم. بل بأخلاق رسالاتهم. فالمؤمن لا يُقاس بقدرته على الانتصار في النقاش. وإنما بقدرته على حفظ قيمه وهو يختلف مع الآخرين.

عزيزي القارئ…

ربما لا تقف يومًا أمام فرعون. لكنك ستقف كثيرًا أمام أشخاص يختبرون صبرك. ويستفزون هدوءك. ويحاولون جرّك إلى مستوى الغضب. وعندها تذكّر أن أعظم انتصار ليس أن تُسكتهم. بل أن تبقى كما أرادك الله. صاحب كلمةٍ نظيفة. وقلبٍ لا تفسده الخصومة. ولسانٍ لا تقوده لحظة انفعال.

فالإنسان العظيم لا يحتاج إلى أن يثبت قوته في كل نقاش. لأن أخلاقه هي البرهان. والكلمة اللينة ليست تنازلًا عن الحق. بل هي أرقى طريقةٍ لحمله. وربما لهذا لم يأمر الله موسى أن يهزم فرعون بالكلمات. لأنه أراد أن يعلمنا أن الانتصار الحقيقي يبدأ حين ننتصر على أنفسنا. قبل أن نفكر في الانتصار على غيرنا.

وفي الختام… تبقى الكلمة أمانة. فإما أن تكون جسرًا يعبر به الناس إلى الخير. أو جرحًا يبقى أثره في القلوب طويلًا. فاختر لك من الكلمات ما تحب أن تلقى الله به. فإن جمال الأخلاق هو الانتصار الذي لا يعرف الهزيمة.

اللهم اجعل كلماتنا مفاتيح للخير. وقلوبنا عامرةً بالرحمة. وألسنتنا لا تنطق إلا بما يرضيك. اللهم ارزقنا الحكمة إذا تكلمنا. والصبر إذا غضبنا. واللين إذا اشتدت الخصومة. ولا تجعلنا ممن ينتصرون لأنفسهم فيخسرون أخلاقهم. اللهم اجعل الحق على ألسنتنا نورًا. وفي قلوبنا يقينًا. وفي أعمالنا أثرًا. واهدنا لأحسن الأقوال والأفعال. فإنك لا تهدي لأحسنها إلا أنت.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *