﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾

نسمع أحيانًا عباراتٍ مثل: “فلان كان معي في الجامعة، تخرَّج بمستوى عادي، بينما تخرجتُ أنا بمرتبة الشرف، وهو الآن في منصبٍ عالٍ، أو كان يلعب معنا في الحي، وأصبح صاحب عمل ناجح، وأنا لا أزال أبحث عن فرصة”، أو ما يشابهها من المقارنات بين الأشخاص، سواء صدرت من الشخص عن نفسه، أم من آخرين يقارنون بين أناس يعرفونهم أو سمعوا عنهم.

إن مثل هذه المقارنات تحمل في طياتها جانبًا سلبيًا واضحًا؛ إذ تؤدي إلى الإحباط، والملل، وفقدان الدافع إلى العمل أو العطاء، وقد تتسم أحيانًا بالحسد، وعدم الفهم الكامل لحكمة الله في توزيع أرزاقه ومواهبه على عباده. فهذه العبارات ليست مجرد شكوى عابرة، بل هي صراعٌ خفيٌّ بين ما نعرفه عن أنفسنا، وما نراه في غيرنا، وبين ما نؤمن به من القضاء والقدر، وما نعجز عن تفسيره برؤيتنا القاصرة.

نظن أحيانًا أن البدايات المتشابهة تعني نهاياتٍ متشابهة أو متقاربة، وهذا من أخطر الأوهام التي نعيشها، والتي تغذي روح المقارنة في نفوسنا. فالواقع أن الحياة ليست سباقًا في مضمارٍ واحد، بل هي غابةٌ من المسارات المتشابكة، يلعب فيها الغيب دورًا لا يمكن استيعابه بمقاييسنا البشرية.

ويرى بعض الناس أن التفوق في الدراسة مقياسٌ للاجتهاد، لكنه في الحقيقة ليس مقياسًا للذكاء، ولا للحكمة، ولا للقدرة على التعامل مع تقلبات الحياة. إنه مجرد بُعدٍ واحد من أبعادٍ كثيرة، يغفل عنها من يظن أنه يكفي لتحديد مصير شخصٍ ما، أو الحكم عليه بالنجاح أو الإخفاق.

ومن أعمق الأخطاء التي نقع فيها أن نتعامل مع النجاحات الدنيوية وكأنها ثمنٌ يُدفع مقابل الجهد، أو شهادةٌ تُمنح للمتفوقين فقط. وهذا الفهم يناقض جوهر الإيمان؛ فالله سبحانه يعطي ويمنع بحكمةٍ قد لا تدركها عقولنا.

فالنجاح ليس معادلةً حسابيةً جامدة ننظر إليها بمنظارنا البشري القاصر. فمن الطبيعي أن يدرس شخصان التخصص نفسه، ويبدآ مسيرتهما العملية معًا، ثم يتفوق أحدهما على الآخر، ولكن ليس من الطبيعي أن يكون المتفوق هو الأذكى أو الأكثر اجتهادًا، بل هي هباتٌ من الله يمنحها لمن يشاء، كلٌّ فيما يُسِّر له.

وعند النظر إلى قصة نبي الله داود وابنه سليمان عليهما السلام، حين حكما في قضية صاحب البستان وصاحب الغنم، نجد أن كليهما حكم بالعدل والحكمة، إلا أن سليمان – بما وهبه الله من نعمة الفهم العميق – كان حكمه أبلغ وأنفع للطرفين.

قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، فرغم أن داود عليه السلام أُوتي علمًا وحكمة، فإن فهم سليمان كان أعمق؛ إذ رأى أن المصلحة تكمن في أن يأخذ صاحب المزرعة الغنم ليستفيد من لبنها وصوفها، ويأخذ صاحب الغنم المزرعة ليرعاها ويصلحها حتى تعود كما كانت، ويأكل من ثمارها خلال تلك المدة، ثم يعيد كلٌّ منهما للآخر ماله، فتحققت بذلك المنفعة للطرفين.

وقد تصادف شخصًا مستواه التعليمي أقل منك، لكنه يتمتع بفهمٍ أوسع للحياة والعمل والعلاقات الاجتماعية، فاعلم أن ذلك هبةٌ من الله له، فاحرص على صحبته لتتعلم منه، وامنحه من علمك؛ فإن العلم يبقى أثره ما بقيت الحياة. وقد تكون أنت صاحب فهمٍ أعمق من غيرك، فأفد الناس من علمك وفهمك، ليزيدك الله فضلًا وتوفيقًا.

إن التوفيق ليس مقياسًا للتفاضل بين الناس، بل هو منحةٌ إلهية توزَّع بحكمةٍ بالغة. فلا تنشغل بالمقارنات، وركز على تطوير ذاتك، واغتنم فرصة التعلم من الجميع، وارضَ بقضاء الله وقدره، فلكل مجتهدٍ نصيب، ولكل إنسانٍ وقته المناسب، وهبته التي ادخرها الله له.

د. عبدالعزيز مبروك الصحفي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *