متحف خوندنة.. ذاكرة مكة الحية

كنت أظن أن المتاحف مبانٍ تضم أرففًا تكتظ بالقطع الأثرية، تقبع خلف واجهات زجاجية صامتة، وكم كنتُ مخطئًا! فهناك متاحف تنبض بالحياة، وتروي الحكاية بلسان المكان، وتستدعي الماضي ليصافح الحاضر.

ومن هذه الصروح الثقافية الفريدة متحف المهندس طلال بن عبدالرحمن خوندنة، الكائن في حي الخالدية بمكة المكرمة، ذلك المعلم الذي أصبح نافذةً مشرعةً على التراث المكي والحجازي، بل وعلى التراث الإنساني العالمي، بما يضمه من مقتنيات نادرة لا تكاد تجتمع في مكان واحد.

فلقد جنّد المهندس طلال خوندنة نفسه، وسخّر وقته وجهده وماله؛ ليحفظ للأجيال ذاكرةً ثمينةً كادت أن تذروها رياح الزمن. فلم يكن همه جمع المقتنيات لغرض التربح أو المباهاة، بل المحافظة على هوية مكة المكرمة – وهو ابنها الوفي – وتوثيق تاريخها، وصيانة إرثها الحضاري، حتى غدا متحفه منارةً ثقافيةً يقصدها الباحثون والمهتمون والزوار من شتى بقاع الأرض.

ومنذ أن تشرّف المتحف بافتتاح صاحب السمو الملكي الأمير ممدوح بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – عام 2007م، وهو يستقبل أفواج الزائرين من داخل المملكة وخارجها، حتى أصبح سجل زواره وثيقةً تاريخيةً بحد ذاته، يحمل أسماء شخصيات علمية وثقافية ورسمية مرموقة، جاءت من أقاصي الدنيا لتقف بإجلال أمام هذا الإنجاز الحضاري الجميل.

وقد ساقني الشوق إلى زيارة هذا المتحف برفقة الإعلامي الأستاذ عبدالعزيز بخش، فكانت زيارةً متفردةً ومتأصلةً، لا تحاكيها كثير من الزيارات. وما إن وطئت أقدامنا أروقته حتى شعرنا أننا نعبر بوابة الزمن، وننتقل إلى عصور مضت، حيث لكل قطعة حكاية، ولكل ركن رواية، ولكل أثر نبضٌ لا يزال حيًا رغم مرور السنين.

وكان المهندس طلال خوندنة خير دليلٍ في هذه الرحلة؛ يحدثك بعلم الواثق، ويشرح لك بلغة سهلة ممتعة، بعيدة عن التكلف، قريبة من القلب والعقل معًا. ولمست فيه دماثة الخلق، وبشاشة الوجه، وسعة الصدر، وكرم الضيافة، حتى شعرت أن المكان يكتسب دفئه من صاحبه، وأن المقتنيات تزداد جمالًا حين يروي قصصها رجل أحبها وأخلص لها.

ولم تخلُ الزيارة من لفتة ثقافية جميلة، إذ تشرفت بإهدائه كتاب «نفحات أدبية عن درر ومواقع مكية» لشيخ المؤرخين الدكتور تنيضب بن عوادة الفايدي – مدير التعليم بمنطقة المدينة المنورة سابقًا -، وهو سفرٌ تاريخي مصور نفيس، جال فيه مؤلفه بين أحياء مكة وأزقتها ومعالمها، يوثق تفاصيلها بعين المؤرخ، وقلب المحب، وقلم الأديب، فكان خير هدية تُهدى من رجل أفنى عمره في خدمة تاريخ مكة وتراثها، إلى رجل اعتنق روح التراث، وحافظ على رونقه كما يحافظ على عينيه.

ثم ارتشفنا القهوة العربية في مجلس عامر بالألفة والود، قبل أن نغادر المكان، لكن الحقيقة أن الذي غادر هو أجسامنا، أما قلوبنا فقد بقيت هناك، معلقةً بين تلك الجدران التي تحفظ عبق التاريخ، وتختزن أصوات الأجداد، وتروي سيرة مدينة اختارها الله لتكون مهبط الوحي وقبلة المسلمين.

خرجنا من المتحف ونحن نحمل يقينًا بأن الأمم لا تحفظ تاريخها بالحجارة والزجاج فقط، وإنما تحفظه برجال يؤمنون بأن الماضي أمانة، وأن الذاكرة وطنٌ لا يجوز أن يندثر، وأن الجهود الفردية المخلصة قد تبني ما تعجز عنه المؤسسات، إذا اقترنت بالإيمان بالفكرة، والإخلاص للرسالة، والصبر على الطريق.

كل الشكر والتقدير للمهندس طلال بن عبدالرحمن خوندنة على ما يقدمه من عمل وطني وثقافي رائد، وعلى حفاظه على هذا الإرث العظيم، الذي لا يمثل مكة المكرمة وحدها، بل يمثل جزءًا من ذاكرة الإنسانية جمعاء. فمثل هذه المتاحف مدارس مفتوحة، وجسور تمتد بين الماضي والحاضر، لتبقى الهوية حيةً في النفوس، راسخةً في الوجدان، عصيةً على النسيان.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *