مع حلول الإجازة الصيفية من كل عام، تنشط مناسبات الزواج في مختلف مناطق ومحافظات المملكة، وتزدحم قصور الأفراح بالمدعوين الذين يحرصون على مشاركة الأهل والأقارب والأصدقاء أفراحهم، انطلاقًا من قيم الوفاء، وصلة الرحم، وتلبية الدعوة التي أوصى بها ديننا الحنيف، وما تحمله من معانٍ نبيلة تعكس المحبة والاحترام والتقدير المتبادل.
ورغم جمال هذه المناسبات، وما يصاحبها من مشاعر الفرح، إلا أن هناك ظاهرة اجتماعية تتكرر بصورة لافتة، وأصبحت محل معاناة لدى كثير من المدعوين، خصوصًا كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة، وذوي الإعاقة، ومن يعانون من ضعف المناعة أو الإرهاق الصحي.
وتتمثل هذه الظاهرة في اصطفاف أعداد كبيرة من الأشخاص عند مدخل قاعات الأفراح لاستقبال الضيوف، بحيث يضطر الداخل إلى مصافحة الجميع فردًا فردًا. وقد لا يقتصر الأمر على المدخل فحسب، بل يمتد أحيانًا إلى داخل القاعة، فيواصل الضيف رحلة طويلة من المصافحة والسلام قبل أن يصل إلى منصة العريس.
ولا شك أن هذا المشهد يعكس كرمًا، وحسن استقبال، ورغبة صادقة في الترحيب بالضيوف، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى عبء على بعض الحضور الذين لا تسمح ظروفهم الصحية أو أعمارهم بمصافحة عشرات الأشخاص في دقائق معدودة.
فالضيف قد يكون مسنًا، أو يعاني من آلام في المفاصل، أو يستخدم كرسيًا متحركًا، أو خضع لعملية جراحية حديثة، أو يتلقى علاجًا يضعف مناعته، أو لديه ظروف صحية تستدعي تقليل المخالطة المباشرة. وهنا يجد نفسه أمام خيارين، كلاهما صعب: فإما أن يواصل المصافحة رغم ما فيها من مشقة قد تؤثر في صحته، وإما أن يتجاوز الصف متجهًا مباشرة إلى العريس وأسرته، فيساء فهم تصرفه، ويُوصف بالتكبر أو قلة التقدير، بينما الحقيقة قد تكون بعيدة تمامًا عن ذلك.
إن مثل هذه المواقف لا ينبغي أن تكون سببًا في إحراج الضيف أو تحميله ما لا يطيق، خصوصًا أن الهدف من المناسبة هو إدخال السرور ونشر الألفة، لا إرهاق الحضور أو وضعهم في مواقف حرجة. ومن هنا، فإن من المناسب إعادة النظر في آلية استقبال الضيوف بما يحافظ على أصالة عاداتنا الجميلة، وفي الوقت نفسه يراعي اختلاف ظروف الناس الصحية والإنسانية.
ولعل الحل الأقرب والأكثر عملية يتمثل في أن يقتصر الاستقبال عند مدخل القاعة على عدد محدود من الرجال الراشدين من أهل العريس أو كبار الأسرة، ممن يمتلكون الخبرة وحسن التصرف في استقبال الضيوف، والترحيب بهم، والتعامل مع أي موقف قد يطرأ، على أن يُترك بقية أفراد الأسرة والأقارب داخل القاعة لمشاركة الجميع أجواء الفرح، دون الحاجة إلى تشكيل صفوف طويلة للمصافحة.
كما أن نشر ثقافة تفهم الظروف الصحية للمدعوين أصبح ضرورة اجتماعية؛ فلا ينبغي أن يُفسَّر تجاوز شخصٍ لصف السلام بأنه تكبر أو تجاهل، فقد يكون معذورًا بعذر لا يعلمه إلا الله. وحسن الظن بالناس من أجمل ما يحافظ على تماسك المجتمع، ويعزز أواصر المحبة بين أفراده.
إن المحافظة على عاداتنا الأصيلة لا تعني الجمود أمام كل ممارسة اجتماعية، بل إن تطويرها بما يحقق مقاصدها النبيلة، ويخفف المشقة عن الناس، هو سلوك حضاري يتفق مع روح الإسلام، الذي يقول فيه النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسروا».
فحسن الاستقبال لا يقاس بعدد الواقفين في صف السلام، وإنما بما يتركه أصحاب المناسبة في نفوس ضيوفهم من راحة، واحترام، وتقدير، واهتمام بظروفهم. وعندما نجمع بين كرم الضيافة، وحسن التنظيم، ومراعاة أحوال الناس، فإننا نرتقي بعاداتنا الاجتماعية لتظل مصدر فخر واعتزاز، وتحقق الغاية الحقيقية من مناسبات الأفراح، وهي نشر المحبة وإدخال السرور على الجميع.
مقالات سابقة للكاتب