في زحمة الحياة الحديثة، بدأت النزعة المادية تتسلّل إلى قلوب البعض، فتؤثر في العلاقات بين الناس، وتربك ميزان الأولويات، وتدفع فئةً محدودةً إلى إعادة تعريف العلاقة والارتباط الاجتماعي بمعيارٍ مادي: ماذا تملك؟ وما منصبك؟ وما جاهك؟ لا: من أنت دينًا، وخُلُقًا، وتعاملًا؟
ومع ذلك، يبقى المشهد العام مطمئنًا؛ فالأغلبية الكبرى – ولله الحمد والمنّة – ما زالت متمسكةً بالقيم الرفيعة، والأخلاق العالية، من الكرم والوفاء، والتقدير والاحترام، مهما تغيّرت الأحوال والظروف.
شرخٌ بسيط… لكنه يستحق الانتباه
ما يثير القلق ليس انتشار هذه الظاهرة، بل تسلّلها إلى بعض العلاقات الإنسانية؛ فالبعض بات يقيس العلاقات بمنطق المصلحة، ويدير خلافاته بمنطق الأرقام، ويعيد تشكيل ارتباطاته الاجتماعية وفق معيار العائد المادي.
هنا فقط يبدأ الشرخ في الاتساع:
– يُختزل الإنسان في ممتلكاته.
– تُختبر العلاقات عند أول خلاف مالي.
– تتوتر الأسرة حين يتحول المال إلى ساحة صراع.
ومع أن هذه الظواهر لا تزال محدودة، ولا تمثل المجتمع، فإنها مؤشرات تستحق الانتباه.
لماذا يحدث هذا الشرخ؟
الضغوط الاقتصادية، وثقافة الاستهلاك، وضعف التربية على الإيثار، وغلبة النزعة الفردية في هذا العصر… كلها عوامل تدفع البعض إلى التمسك بالمادة بوصفها ضمانًا سريعًا للأمان.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
فالمال يُشترى به كثير من الأشياء، لكنه لا يشتري الطمأنينة، ولا المحبة، ولا الأخوة، ولا الصداقة.
المجتمع بخير… لكن الوقاية واجبة
لا تزال القيم تنبض بالحياة في أغلب البيوت؛ فالوفاء، والكرم، والشجاعة، والإيثار، قيمٌ يتعبد بها المؤمن، وهي كذلك ميراثٌ أصيل عن الآباء والأجداد. كما أن صلة الرحم، والتسامح، والتغافل، والتنازل، كلها قيم تحفظ العلاقات وتزيدها قوةً واستقرارًا.
غير أن الحفاظ على هذا الإرث الأخلاقي يحتاج إلى وعيٍ دائم، وتطبيقٍ عملي، من خلال:
– إحياء المعنى الإيماني؛ ليبقى المال وسيلةً لا غاية.
– التربية العملية على الإيثار داخل البيوت.
– إدارة مالية واعية تمنع الخلافات من التحول إلى جفاء.
– تقديم نماذج تُعلي من قيمة الإنسان، لا من قيمة المظاهر.
– ترسيخ ثقافة العفو والتنازل؛ لتبقى العلاقات فوق الحسابات.
همسة أخيرة
المشكلة ليست في حب المال؛ فهو غريزةٌ فطرية، وإنما في وضعه في غير موضعه، وجعله معيارًا للحكم على الناس.
ومجتمعنا – رغم كل التحديات – يملك رصيدًا كبيرًا من القيم الأصيلة التي تحميه من الانزلاق.
وما دمنا نعيد ترتيب أولوياتنا، فستظل القيم هي الأصل، وستبقى المادة مجرد وسيلة، سرعان ما تتلاشى عند نهاية الطريق.
د. صلاح محمد الشيخ
مستشار تربوي وأسري