رسالة مفتوحة إلى كل عروسين

إلى كل عروسين يستعدان للدخول إلى عش الزوجية…

ستأتي ليلة يصفق لكم فيها الجميع، وتُلتقط أجمل الصور، وتُلقى التهاني، وتُكتب لكم الأمنيات بالسعادة. ثم ينصرف الناس، وتُطوى الزينة، وتُطفأ الأضواء، وتبقيان أنتما وحدكما أمام رحلة جديدة اسمها الحياة الزوجية.

من تلك اللحظة يبدأ الاختبار الحقيقي.

ستكتشفان أن الزواج ليس وردًا دائمًا، وليس رحلة تخلو من التعب، وليس قصة حب تُكتب على صفحات الروايات، بل هو مواقف يومية، وتفاهم، وصبر، ورحمة، وتنازل، وقدرة على احتواء الآخر رغم اختلاف الطباع.

لا تدخلا حياتكما وكل واحد منكما يبحث عن شريك كامل؛ فالكمال ليس من صفات البشر. ابحثا عن شخص إذا أخطأ اعتذر، وإذا غضب هدأ، وإذا أحب أخلص، وإذا وعد وفى، وإذا اختلف احترم.

أيها الزوج…

لن تتذكر زوجتك بعد سنوات قيمة المهر، ولا عدد الحضور، ولا فخامة الحفل، لكنها ستتذكر كيف عاملتها حين كانت مريضة، وكيف احتضنت مشاعرها حين ضعفت، وكيف احترمت أهلها، وكيف حفظت كرامتها أمام الناس، وكيف جعلتها تشعر كل يوم أنها شريكة حياة لا مجرد زوجة.

وأيتها الزوجة…

لن يتذكر زوجك تفاصيل الزينة ولا ألوان الورود، لكنه لن ينسى بيتًا استقبلته فيه بابتسامة، ولا كلمة رفعت معنوياته بعد يوم شاق، ولا موقفًا وقفتِ فيه بجانبه عندما ضاقت به الدنيا، ولا احترامًا حفظ مكانته، ولا دعاءً صادقًا كان له سندًا في غيابه.

احذرا من أن تسمحا للخلاف الأول أن يزرع بينكما الكبرياء، فكم من بيوت هدمها العناد أكثر مما هدمتها المشكلات نفسها. اجعلا شعاركما دائمًا: نبحث عن الحل… لا عن المنتصر.

ولا تسمحا لأحد أن يعيش حياتكما بدلاً عنكما. استمعا للنصح، لكن لا تسلما قرار بيتكما لكل رأي. فالبيت الذي تُدار تفاصيله من الخارج، يفقد مع الوقت خصوصيته واستقراره.

وتذكرا أن الكلمات لا تموت. قد تُنسى الهدايا، وتبهت الصور، لكن الكلمة الجارحة قد تبقى في القلب سنوات، كما أن الكلمة الطيبة قد تصنع ذكرى جميلة لا ينساها العمر كله.

اجعلا بينكما عادة جميلة؛ أن يشكر كل واحد منكما الآخر كل يوم، وأن يعتذر إذا أخطأ، وأن يدعو له في حضوره وغيابه، وأن يتغافل عن الهفوات الصغيرة، فالتغافل ليس ضعفًا، بل من أرقى فنون الحب، وأحد أسرار استمرار المودة.

وفي موسم الزواج، ينشغل كثيرون بتفاصيل الحفل، بينما الأجدر أن ينشغلوا بتعلم مهارات الحوار، وإدارة الخلاف، وفهم احتياجات الطرف الآخر، وبناء الثقة. فالزفاف يستغرق ساعات، أما الزواج فيمتد سنوات، بل عمرًا كاملًا.

وفي الختام…

لا تجعلوا ليلة الزفاف أجمل أيام حياتكما، بل اجعلوا كل عام يمر عليكما أجمل من الذي قبله، وكل خلاف سببًا في زيادة الفهم، وكل موقف صعب فرصة لتعميق الثقة، وكل يوم صفحة جديدة تُكتب فيها قصة أسرة يسودها السكن والمودة والرحمة.

فالسعادة الزوجية لا تُهدى للعروسين ليلة الزفاف، وإنما يصنعها الزوجان بأخلاقهما، وصبرهما، وصدقهما، وحسن عشرتيهما، حتى يصبح بيتهما مكانًا يجد فيه كل واحد منهما راحته وسكينته، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

فليكن هذا الموسم بداية بيوتٍ تُبنى على التقوى، وتُزيَّن بالأخلاق، وتدوم بالمحبة، لا مجرد موسم حفلات ينتهي بانتهاء ليلة الزفاف.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *