احسمها في مهدها

هل تساءلت يوماً لماذا تنهي بعض المشكلات الصغيرة حياتنا المهنية أو الاجتماعية بشكل كارثي بينما كانت في بدايتها مجرد سحابة صيف عابرة؟ إننا في الإدارة كما في الحياة غالباً ما نغرق في معالجة نتائج الأزمات الكبرى متناسين أنها لم تكن يوماً كذلك بل بدأت كأخطاء صغيرة كان يكفي اتخاذ قرار شجاع واحد لإنهائها.

إننا كثيراً ما نؤجل مواجهة الحقائق ظناً منا أن الزمن كفيل بالترميم لكن الحقيقة أن الزمن بلا فعل لا يرمم ما نتركه يتهالك بل يزيد في اتساع الفجوات ، وكما قيل في الأثر: *«آخر الدواء الكي»* فمن يرفض معالجة المشكلة وهي صغيرة يجد نفسه مضطراً إلى حلول مؤلمة لاحقاً ،والفرق الحقيقي بين القائد الناجح وغيره يكمن في قدرته على اكتشاف نذير الخطر في مهده وتحويله من عثرة صغيرة إلى نقطة تحول إيجابية بدلاً من ترك المشكلات تتفاقم حتى تصبح حرائق لا تُبقي ولا تذر.

جودة الفكرة تصنع التغيير والنظرة الحكيمة والرأي السديد عاملان مهمان في إحداث قفزات إيجابية هائلة.

وبينما كنت أتصفح بعض ملخصاتي للكتب وقعت على فكرة للمتحدث والمفكر العالمي *براين تريسي* يقول فيها: *”هناك قاعدة تقول: كل مشكلة كبيرة كانت صغيرة فيما مضى لدرجة يمكن حلها بسهولة وبدون جهد في ذلك الحين وفي بعض الأحيان تكون أفضل استراتيجية لمواجهة المشكلة هي: القضاء عليها في مهدها.”*

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت هذه الحقيقة واضحة فلماذا يؤجل كثير من الناس مواجهة مشكلاتهم؟ والجواب أن التأجيل لا يرجع غالباً إلى الجهل بخطورة المشكلة بل إلى طبيعة النفس البشرية فهي تميل إلى تجنب المواجهة وتخشى الصدام وتؤثر السلامة المؤقتة على الحسم المطلوب وتأمل أن تحل الأيام ما عجزت هي عن حسمه.

غير أن المشكلات لا تعالج نفسها وإنما تنمو بصمت وتتغذى على الإهمال حتى تصبح أثقل من أن تُحتمل وأغلى من أن تُصلح ، وما يبدو اليوم خلافاً عابراً أو خطأً يسيراً أو تقصيراً محدوداً قد يتحول غداً إلى أزمة معقدة إذا تُرك دون معالجة فالتأجيل لا يطفئ المشكلات وإنما يمنحها الوقت لتترسخ وتتجذر.

حينها انهالت عليَّ الكثير من المواقف التي مررت بها في حياتي فقد تعرضت للعديد من المشكلات التي لو طبقت فيها هذه الفلسفة لوفرت على نفسي كثيراً من الجهد والمعاناة.

إن كثيراً من الناس ينهجون فلسفة “الهروب” ظناً منهم أن الزمن كفيل بالحل وهي فلسفة بائسة إذ كما قيل في الحكمة: *”الشجرة التي لا تُقلم في وقتها تعيق الطريق”* فالمشكلات إن لم نُقلم غصونها وهي طرية أصبحت عقبات صلبة تعيق مسيرتنا.

فلنأخذ بعض الأمثلة التطبيقية ، عندما يحدث نزاع أو سوء فهم بسيط فإن التعامل معه بحكمة يقتضي البحث عن حل جذري منذ البداية وفي ذلك يهدينا القرآن الكريم إلى منهج الحكماء في قوله تعالى: *﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾* فالتدخل الحكيم في بداية الصدع هو الضمان الأقرب لإعادة الأمور إلى نصابها،وهكذا الحال في بيئات العمل فمشكلات صغيرة يتم تجاهلها قد تقود إلى نتائج كارثية كالإفلاس مثلاً، بينما المبادرة إلى حلها تمنع التفاقم وتحافظ على استقرار المؤسسة.

ولنمعن النظر في نتائج إهمال الحل الجذري عبر نماذج من واقعنا ، ففي البيئة الإدارية لو بادر المدير بفتح حوار صريح مع فريق العمل في الأسبوع الأول لصحح المسار بتكلفة تكاد تكون معدومة ، لكن التجاهل أدى إلى تراكم الأخطاء وتراجع الأداء ثم فقدان عملاء استراتيجيين وانهيار سمعة الشركة بينما كان يمكن تفادي كل ذلك بقرار واحد في الوقت المناسب.

وفي السياق التعليمي والتربوي قد يبدأ الأمر بضعف بسيط في القراءة أو بفجوة معرفية محدودة في مادة أساسية فيُهمل علاجها ظناً أنها ستزول مع الوقت ، لكن هذا الضعف يتراكم ويؤثر في فهم المواد الأخرى ثم يفقد الطالب ثقته بنفسه وربما يكره المدرسة أو الدراسة بأكملها ، بينما كانت حصة دعم واحدة أو متابعة مبكرة من معلم أو ولي أمر كفيلة بإعادة الطالب إلى مساره الصحيح قبل أن تتحول المشكلة إلى إخفاق أكاديمي ونفسي.

إن إدراك المشكلة في مهدها ليس ضرباً من الحظ بل مهارة استراتيجية تتطلب شجاعة المواجهة واستجابة للتوجيه النبوي الشريف: *«لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»* فهذا الحديث دعوة إلى اليقظة وإلى التعلم من التجارب وقراءة إشارات الخطر منذ ظهورها الأول.

ولكي تتحول هذه المهارة إلى سلوك دائم فإن الأمر يحتاج إلى منهج عملي واضح يقوم على أربعة أسس: مراقبة المؤشرات المبكرة وعدم الاستهانة بها ثم المبادرة إلى مواجهة المشكلة فور ظهورها دون تسويف ثم البحث عن السبب الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بعلاج الأعراض وأخيراً وضع حلول مستدامة تمنع تكرار المشكلة مستقبلاً.

إن هذه الخطوات البسيطة هي الفارق بين إدارة تصنع النجاح وإدارة لا تجيد إلا التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.

ولضمان الاستمرارية يحتاج الإنسان إلى أن يؤسس لنفسه نظاماً للمراجعة والمحاسبة وأن يلتزم بقاعدة الأربع والعشرين ساعة فلا يسمح لمشكلة صغيرة أن تبيت في ذاكرته أو في محيط عمله دون أن يبدأ بمعالجتها ، فكما يقول المثل العربي: *”أطفئ النار قبل أن تستطير”* لأن الانضباط في معالجة المشكلات الصغيرة هو الذي يحول دون تراكمها ويقلل من التكلفة المادية والروحية ويحفظ الطاقات ويمنع الصدأ النفسي والإداري.

ومع تأكيدنا على سرعة المواجهة يجب ألا نغفل عن نوعية الحل ، إننا في مؤسساتنا وعلاقاتنا بحاجة إلى ترسيخ ثقافة *الحلول المستدامة* القائمة على التشاور استجابة لقوله تعالى: *﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾* فالمبادرة إلى حل المشكلة بصورة جماعية والاستفادة من تعدد الآراء والخبرات تمنح الحلول قوة وديمومة وتجعل من كل عقبة فرصة للتطوير بدلاً من أن تكون سبباً في الانقسام أو الفشل.

ختاماً إن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين يُجيدون إخماد الحرائق بل الذين يمنعون اشتعالها منذ الشرارة الأولى ، فالمشكلة التي تُحسم في مهدها لا تستهلك وقتاً ولا تستنزف طاقة ولا تهدم علاقة بل تتحول إلى درس يرسخ الحكمة ويصنع النجاح ، لذلك فإن علاج المشكلات فور بروزها هو الخيار الأذكى والأقل كلفة والأكثر أثراً في بناء حياة مستقرة ومؤسسات ناجحة وعلاقات إنسانية أكثر قوة ودواماً.

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *