لا شك أن بناء الحصانة السلوكية، وترسيخ منظومة القيم الأصيلة، وتعزيز المهارات الشخصية الإيجابية والمنتجة لدى طلبة المدارس، إلى جانب تنمية الصلابة النفسية لديهم ولدى منسوبي المدارس، يُعد أحد المحاور الرئيسة التي تعمل عليها وزارة التعليم. وينعكس ذلك إيجابًا على تحصين البيئة التعليمية من المخاطر السلوكية والفكرية والنفسية، بما يسهم في تعزيز الأمن الاجتماعي، وتحقيق بيئة تعليمية أكثر أمنًا واستقرارًا.
ويتناول هذا المقال أهداف إنشاء وزارة التعليم قسم الدراسات والأبحاث السلوكية وقسم الدعم الطلابي، اللذين تضمّنهما الدليل التنظيمي الجديد للإدارات التعليمية، في خطوة نوعية تهدف إلى ترسيخ منهجية تنظيمية قائمة على أفضل الممارسات، ورسم علاقات اتصال واضحة بين مختلف المكونات التنظيمية، بما يعزز كفاءة الأداء، ويرفع مستوى جودة الخدمات التعليمية، ويواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030.
الحصانة السلوكية تبدأ من المدرسة
وقبل الحديث عن مهام هذه الأقسام، يجدر الوقوف على أهم مرتكزات بناء الحصانة السلوكية لدى طلبة المدارس، باعتبارها الأساس الذي تنطلق منه الدراسات والأبحاث السلوكية، واستشراف المستقبل في مجال تعزيز السلوك الإيجابي.
ويأتي في مقدمة هذه المرتكزات تنمية الوعي القيمي والأخلاقي، وغرس المبادئ التي تنظم علاقة الطالب بزملائه ومعلميه، وتعزيز الذكاء العاطفي والاجتماعي، وتدريب الطلبة على مهارات إدارة الغضب، وحل النزاعات بالحوار، والتعبير عن الرأي بثقة واحترام، إلى جانب التمكين النفسي، وبناء الثقة بالنفس، وتعزيز تقدير الذات.
كما تبرز أهمية الجوانب الوقائية من خلال تعزيز الشراكة بين المدرسة وأولياء الأمور، بما يسهم في ترسيخ السلوكيات الإيجابية، ومعالجة السلوكيات السلبية، وتنمية مهارات التعامل الراقي، إذ تعتمد برامج التوجيه الطلابي بدرجة كبيرة على الذكاء الاجتماعي والحوار الهادئ، بدلاً من أساليب المواجهة المباشرة.
لماذا أنشأت الوزارة هذه الأقسام؟
لقد استشعرت وزارة التعليم الحاجة الملحة إلى إنشاء أقسام متخصصة للدراسات والأبحاث السلوكية والدعم الطلابي، لمواجهة التحديات المعاصرة الناتجة عن الانفتاح الرقمي، وما صاحبه من ضغوط نفسية، ومتغيرات اجتماعية، وأفكار وسلوكيات قد تؤثر في الطلبة إذا لم تُوجَّه بالشكل الصحيح.
ومن هنا، يُعد إنشاء هذه الأقسام صمام أمان يسهم في تعزيز الحصانة السلوكية، وترسيخ الصلابة النفسية، ودعم الأمن الاجتماعي داخل المجتمع المدرسي.
مهام قسم الدراسات والأبحاث السلوكية
يضطلع قسم الدراسات والأبحاث السلوكية في إدارات التعليم بتنفيذ الدراسات والبحوث الاستشرافية والاجتماعية، وجمع البيانات البحثية، بما يسهم في تشخيص الواقع، واستشراف المستقبل، والتنبؤ بالظواهر السلوكية والفكرية والنفسية التي قد تؤثر في البيئة التعليمية.
كما يتولى إعداد البحوث والدراسات النوعية، ودعم الابتكار البحثي، وتطبيق المنهجيات والأدوات العلمية التي يعتمدها مركز بحوث التعليم، بما يساعد على رصد الظواهر الاجتماعية والانحرافات السلوكية والفكرية والنفسية، وتحليل آثارها في التعليم العام ضمن النطاق الجغرافي لإدارة التعليم.
ويعمل القسم كذلك على دراسة مسببات تلك الظواهر من منظور بحثي، واقتراح الأساليب المناسبة لمعالجتها، بالتعاون مع قسم التوجيه الطلابي، ووحدة الوعي الفكري، إضافة إلى تقديم التغذية الراجعة لمركز بحوث التعليم حول نتائج الدراسات التنبؤية، والإسهام في الاكتشاف المبكر للظواهر المؤثرة في حياة الطالب، مع تقديم الدعم للباحثين، وتسهيل مهامهم البحثية.
مهام قسم الدعم الطلابي
يتولى قسم الدعم الطلابي استقبال الطلبات والاستفسارات المتعلقة بالجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية، سواء من الطلبة أو أولياء الأمور أو منسوبي المدارس، عبر منظومة متكاملة، بما يضمن تقديم الحلول المناسبة وفق المعايير المعتمدة.
كما يعمل على تقييم احتياجات الطلبة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتربوي الذي يتناسب مع خصائصهم العمرية، ويسهم في تعزيز التوازن النفسي، وترسيخ السلوك الإيجابي، والاستفادة من نتائج الدراسات والبحوث السلوكية في دعم شخصية الطالب وقيمه، إلى جانب المشاركة في رصد الظواهر الاجتماعية والانحرافات السلوكية والفكرية، وتشخيصها، واقتراح الحلول المناسبة لمعالجتها.
خطوة تستحق الإشادة
تمثل هذه الخطوة نقلة نوعية في العمل الوقائي داخل البيئة التعليمية، وتعكس حرص وزارة التعليم على بناء منظومة متكاملة تعزز الأمن الاجتماعي، وتحصّن النشء من مختلف التحديات الفكرية والسلوكية والنفسية.
ولتحقيق الأهداف المرجوة، فإن نجاح هذه الأقسام يتطلب استقطاب الكفاءات الوطنية المتخصصة في مجالات الدراسات السلوكية، والخدمات النفسية والاجتماعية والتربوية، والاستفادة من خبراتهم البحثية والعلمية، بما يضمن تحقيق أفضل النتائج، ودعم مسيرة التطوير التي تنتهجها الوزارة.
وأسأل الله أن يوفق أبناءنا وبناتنا الطلبة، وجميع منسوبي التعليم، وأن يبارك جهود وزارة التعليم، ويكلل مشاريعها التطويرية بمزيد من النجاح، لما فيه خير الوطن وأبنائه.
سعيد محمد الباحص
المنطقة الشرقية – مدينة الدمام
saeedokaz@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب