معبِّرو الرؤى بين الاتزان الشرعي وهوس الانتشار

متى أصبحت الرؤيا التي يرويها الإنسان في لحظة قلق أو رجاء مادةً علنية يتابعها الآلاف، ويتداولون تفاصيلها، وربما تُبنى عليها أحكامٌ تتعلق بصاحبها وأسرته؟

ليس هذا السؤال بعيدًا عن واقعنا اليوم؛ فقد ازداد حضور معبّري الرؤى في القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل، حتى غدا تعبير الرؤى عند بعض المتصدرين مادةً يومية تحكمها سرعة البث، وأرقام المشاهدات، والرغبة في الانتشار.

ولا يمكن إنكار أن في هذا المجال معبّرين عُرفوا بالعلم، والتثبت، وحسن النصح، وحفظ أسرار الناس، ويؤدون دورًا اجتماعيًا يسهم في تهدئة النفوس وتقديم التوجيه المتزن. لكن المشكلة تبدأ عندما يتصدر هذا الميدان من لا يملك أدواته العلمية، فيفسر كل رمز بثقة، ويصدر أحكامًا جازمة، وكأن تعبير الرؤيا حقيقة قطعية لا تحتمل الخطأ.

وقد عرض القرآن الكريم تعبير الرؤى بوصفه علمًا ومنحةً من الله تعالى، فقال يوسف عليه السلام: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وفي موضع آخر أقر قوم الملك بحدود معرفتهم فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾. فالاعتراف بحدود المعرفة خُلُقٌ علمي لا يقل أهمية عن امتلاكها، لكنه يغيب عن بعض المتصدرين اليوم.

والتسرع في هذا الباب ليس خطأً عابرًا؛ فصاحب الرؤيا قد يكون في حالة نفسية حساسة، فيتعلق بتفسير يسمعه، أو يخاف من تأويل متشائم، أو يتخذ قرارًا يتعلق بزواجه، أو عمله، أو علاقاته الأسرية بناءً على ذلك التأويل. وتزداد الخطورة عندما يقدم المعبّر كلامه بصيغة الجزم، أو يربط الرؤيا بمرض، أو موت، أو خيانة، أو سحر، من غير بينة.

ولا يقتصر هذا الأثر على صاحب الرؤيا وحده، بل يمتد إلى وعي آلاف المشاهدين؛ فإسقاط الرموز العامة على الحالات الخاصة، والربط العشوائي بين الأحلام والأمراض الروحية أو الخلافات الأسرية، قد يزرع الشكوك في بيوت كانت آمنة، ويزعزع الثقة بين الناس، ليتحول البث العلني من استشارة عابرة إلى مصدر للقلق والارتياب.

وتعبير الرؤى اجتهادٌ ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس كشفًا للغيب، ولا معرفةً مؤكدة بالمستقبل. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ومن الخطأ أن يمنح الناس بعض المعبّرين سلطةً على قراراتهم ومصائرهم لمجرد شهرتهم أو كثرة ظهورهم الإعلامي؛ فكثرة الجمهور لا تصنع علمًا، وعدد المتابعين لا يمنح صاحبه أهليةً شرعية أو علمية.

ثم تأتي قضية التعبير العلني؛ فليس كل ما يراه الإنسان يُروى للآخرين. فقد تتضمن الرؤيا تفاصيل زوجية، أو خلافات عائلية، أو أسرارًا اجتماعية، وقد يكشف السؤال وما يتبعه من استفسارات أكثر مما يتوقعه صاحبه، وربما نسي الرائي أنه يتحدث أمام جمهور واسع، بينما يبقى المقطع متداولًا في فضاء الإنترنت سنوات طويلة.

وقد أرشد يعقوب عليه السلام ابنه يوسف بقوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وفي ذلك تنبيه واضح إلى أن نشر الرؤيا قد تترتب عليه آثار لا تُحمد عقباها.

وجاءت السنة مؤكدةً هذا المعنى، فقال النبي ﷺ: «لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح» رواه الترمذي وصححه الألباني. وثبت في صحيح البخاري قوله ﷺ: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر ما رأى ومن الشيطان، ثم لينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره».

وهذه التوجيهات تدعو إلى الستر، والرفق، وحسن التعامل مع الرؤى، ولا تنسجم مع تحويل كل حلم مزعج إلى مداخلة هاتفية علنية تُفكك تفاصيلها أمام المشاهدين بحثًا عن الإثارة.

فالمعبّر المتزن لا يتعجل التأويل، ويستوضح حال الرائي وظروفه عند الحاجة، ولا يجزم بما لا يعلم، ولا يفتح أبواب الخوف والوساوس، ولا يكشف ما ينبغي ستره. أما الباحث عن الانتشار، فيختصر الطريق بتأويل مثير، وعنوان جاذب، ومقطع قابل للتداول، حتى تصبح شهرة المقطع أهم من طمأنينة صاحب الرؤيا وخصوصيته.

كما تتحمل القنوات والمنصات جزءًا من المسؤولية؛ فليس من اللائق التعامل مع الرؤى بوصفها مادةً ترفيهية أو وسيلةً لجذب المشاهدات. ومن واجبها التحقق من أهلية من تستضيفهم، ومنع الأسئلة التي تمس خصوصيات الناس، وإتاحة قنوات خاصة للحالات الحساسة، مع التنبيه إلى أن تعبير الرؤى اجتهاد بشري لا يرقى إلى اليقين، وعدم السماح باستغلال خوف الناس أو حاجتهم لتحقيق مكاسب مادية أو شهرة عابرة.

ويحتاج المجتمع كذلك إلى قدر أكبر من الوعي في التعامل مع هذا الباب، فلا تُبنى القرارات المصيرية على تعبير رؤيا، مهما بلغت شهرة المعبّر أو حضوره الإعلامي؛ فالزواج، والعمل، والعلاقات الأسرية، والظنون بالآخرين، لا يجوز أن تصبح رهينةً لتأويل قد يصيب وقد يخطئ.

وقد يكون تعبير الرؤى بابًا للنصح والخدمة الاجتماعية إذا تولاه معبّر مؤهل، ناصح، ومتزن، لكنه يتحول إلى عبء حين يصبح تجارةً في القلق، أو سلّمًا إلى الشهرة.

والمطلوب ليس إغلاق هذا الباب، بل تقويمه، وحماية الناس من التصدر بغير علم، وقصر التعبير العلني على ما لا يكشف سرًا، ولا يوقع ضررًا، ولا يزرع خوفًا أو وسواسًا؛ فخصوصية الإنسان، وطمأنينة نفسه، أولى من أي نسبة مشاهدة أو انتشار.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *