سَلَّمَكَ الأَبُ ابْنَتَهُ… أَمَانَةً بَيْنَ يَدَيْكَ!

مَسْؤُولِيَّةُ الزَّوْجِ الشَّابِّ بَيْنَ الرُّجُولَةِ وَالرَّحْمَةِ

تُزَفُّ العَرُوسُ إِلَى زَوْجِهَا، وَقَلْبُ الأَبِ مُعَلَّقٌ بِابْنَتِهِ، يُسَلِّمُهَا إِلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ وَاضِعٌ ثِقَتَهُ فِي رَجُلٍ ارْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَحَارِسًا لِكَرَامَتِهَا، وَرَفِيقًا لِدَرْبِهَا.

غَيْرَ أَنَّ الوَاقِعَ المُؤْلِمَ كَشَفَ لَنَا أَنَّ بَعْضَ الأَزْوَاجِ الشَّبَابِ ـ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ ـ لَا يُدْرِكُونَ حَجْمَ الأَمَانَةِ الَّتِي يَحْمِلُونَهَا، وَلَا يَعُونَ أَنَّ الزَّوَاجَ لَيْسَ انْتِقَالَ امْرَأَةٍ مِنْ بَيْتٍ إِلَى آخَرَ، بَلْ هُوَ انْتِقَالُ قَلْبٍ، وَرُوحٍ، وَمَسْؤُولِيَّةٍ، وَثِقَةٍ، وَأُسْرَةٍ كَامِلَةٍ إِلَى عُهْدَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ.

هَذَا المَقَالُ مُوَجَّهٌ إِلَى هَذِهِ الفِئَةِ، إِلَى كُلِّ زَوْجٍ شَابٍّ يَسْتَهِينُ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الزَّوَاجَ تَجْرِبَةٌ عَابِرَةٌ، أَوْ مَرْحَلَةٌ يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا بِغَيْرِ وَعْيٍ وَلَا الْتِزَامٍ.

الزَّوْجَةُ… أَمَانَةٌ سَلَّمَكَ أَبُوهَا قَلْبَهَا قَبْلَ يَدِهَا!

الزَّوْجَةُ الَّتِي دَخَلَتْ بَيْتَكَ لَمْ تَأْتِ مِنَ الفَضَاءِ، بَلْ جَاءَتْ مِنْ أُسْرَةٍ اعْتَزَّتْ بِهَا، وَرَبَّتْهَا، وَصَانَتْ كَرَامَتَهَا.

جَاءَتْ مِنْ أَبٍ حَمَلَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَأُمٍّ سَهِرَتْ عَلَى رَاحَتِهَا، وَإِخْوَةٍ كَانُوا لَهَا سَنَدًا.

وَحِينَ نَطَقَ أَبُوهَا فِي مَجْلِسِ العَقْدِ: «زَوَّجْتُكَ فُلَانَةَ»، لَمْ يَكُنْ يُسَلِّمُكَ يَدًا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يُسَلِّمُكَ قِطْعَةً مِنْ قَلْبِهِ، تَحْمِلُ تَارِيخًا، وَتَرْبِيَةً، وَطُفُولَةً، وَذِكْرَيَاتٍ.

الاعْتِزَازُ بِوَالِدِ الزَّوْجَةِ لَيْسَ مُجَامَلَةً، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ رُجُولَتَكَ اكْتَمَلَتْ حِينَ رَضِيَ وَالِدُهَا بِكَ زَوْجًا لَهَا.

وَاعَجَبَاهُ، وَاعَيْبَاهُ! كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أَنْ تُهَانَ ابْنَتُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُكَرَّمَةً، وَأَنْ تُكْسَرَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُصَانَةً، وَأَنْ تُطْفَأَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُزْهِرَةً؟

اعْلَمْ ـ يَا رَعَاكَ اللهُ ـ أَنَّ المَرْأَةَ بِطَبِيعَتِهَا العَاطِفِيَّةِ لَيْسَتْ ضَعْفًا، بَلْ جِبِلَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى رِعَايَةٍ.

المَرْأَةُ بِطَبِيعَتِهَا عَاطِفِيَّةٌ، حَسَّاسَةٌ، رَقِيقَةٌ، تَحْمِلُ قَلْبًا وَاسِعًا، لَكِنَّهُ قَدْ يَنْكَسِرُ بِكَلِمَةٍ، وَقَدْ تُحْيِيهِ كَلِمَةٌ.

هِيَ لَيْسَتْ نِدًّا لَكَ، بَلْ شَرِيكَةُ حَيَاتِكَ، وَسَكَنٌ لِنَفْسِكَ، وَرَفِيقَةُ دَرْبِكَ، وَمُرَبِّيَةُ أَوْلَادِكَ، وَامْتِدَادٌ لِحَيَاتِكَ.

فَلَا تَجْعَلْهَا تَعِيشُ فِي خَوْفٍ مِنْكَ، أَوْ فِي قَلَقٍ مِنْ غَضَبِكَ، أَوْ فِي حَيْرَةٍ مِنْ مِزَاجِكَ.

مَسْؤُولِيَّةُ الأُسْرَةِ… لَيْسَتْ رَفَاهِيَّةً وَلَا خِيَارًا ثَانَوِيًّا

الزَّوَاجُ لَيْسَ نُزْهَةً، وَلَا تَجْرِبَةً، وَلَا مَرْحَلَةً مُؤَقَّتَةً، إِنَّهُ عَهْدٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ وَرُجُولَةٌ تُخْتَبَرُ كُلَّ يَوْمٍ.

الزَّوْجُ النَّاجِحُ هُوَ مَنْ:

– يَحْفَظُ الأَمَانَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
– يَحْتَرِمُ زَوْجَتَهُ فِي حُضُورِهَا وَغِيَابِهَا.
– يَحْمِلُ هَمَّ البَيْتِ كَمَا يَحْمِلُ هَمَّ نَفْسِهِ.
– يُشْعِرُ زَوْجَتَهُ بِالأَمَانِ قَبْلَ الحُبِّ.

وَلْتَعْلَمْ ـ حَفِظَكَ اللهُ ـ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا خَافَتْ لَمْ تَعِشْ، وَإِذَا أُهِينَتْ لَمْ تُعْطِ، وَإِذَا أُطْفِئَتْ لَمْ تُزْهِرْ.

الزَّوْجَةُ هِيَ السَّكَنُ، وَمَعَهَا تَتَحَقَّقُ المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ

فَاحْتِرَامُكَ لَهَا فِي العِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ هُوَ احْتِرَامٌ لِنَفْسِكَ، وَلِأُسْرَتِكَ، وَلِأَهْلِكَ، وَإِهَانَتُكَ لَهَا هِيَ إِهَانَةٌ لِرُجُولَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ إِهَانَةً لَهَا.

الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ… تَهْدِمُ جَبَلًا مِنَ الحُزْنِ

الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تَهْدِمُ جَبَلًا مِنَ الحُزْنِ، وَالكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ تَبْنِي جَبَلًا مِنَ الأَلَمِ.

لَا تَسْتَهِنْ بِكَلِمَةٍ تَقُولُهَا فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ، فَقَدْ تَبْقَى فِي قَلْبِهَا سَنَوَاتٍ، وَلَا تَبْخَلْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَهِيَ تُحْيِي قَلْبًا، وَتُصْلِحُ بَيْتًا، وَتُعِيدُ امْرَأَةً إِلَى الحَيَاةِ.

أُسْرَةُ الزَّوْجَةِ… أُسْرَةٌ جَدِيدَةٌ تُضَافُ إِلَى حَيَاتِكَ

ارْتِبَاطُكَ بِزَوْجَتِكَ لَمْ يَكُنْ ارْتِبَاطًا بِهَا وَحْدَهَا، بَلِ ارْتَبَطْتَ بِأُسْرَتِهَا:

– بِأَبِيهَا الَّذِي اعْتَزَّ بِكَ.
– وَبِأُمِّهَا الَّتِي سَلَّمَتْكَ أَغْلَى مَا تَمْلِكُ.
– وَبِإِخْوَتِهَا الَّذِينَ وَثِقُوا فِيكَ.

فَلَا تَجْعَلْ هَذَا الِارْتِبَاطَ مُجَرَّدَ عِلَاقَةٍ شَكْلِيَّةٍ، بَلْ عِلَاقَةَ احْتِرَامٍ وَامْتِنَانٍ وَتَقْدِيرٍ.

مَنْ يَحْتَرِمْ أُسْرَةَ زَوْجَتِهِ يَحْتَرِمْ نَفْسَهُ، وَيُعْلِي قَدْرَهُ فِي بَيْتِهَا وَبَيْتِهِ.

خِتَامًا… أَيُّهَا الزَّوْجُ الشَّابُّ

تَذَكَّرْ أَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ أَمَانَةٌ مِنَ اللهِ، وَأَمَانَةٌ أَوْدَعَهَا أَبُوهَا لَدَيْكَ وَوَثِقَ بِكَ.

فَإِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهَا، بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي حَيَاتِكَ، وَفِي رِزْقِكَ، وَفِي أَوْلَادِكَ.

وَإِنْ أَسَأْتَ إِلَيْهَا، فَقَدْ أَسَأْتَ إِلَى نَفْسِكَ قَبْلَهَا، وَهَدَمْتَ بَيْتَكَ بِيَدِكَ.

كُنْ رَجُلًا كَمَا يُحِبُّ اللهُ، وَكَمَا ظَنَّ بِكَ أَهْلُهَا، وَبِمَا يَلِيقُ بِالأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلْتَهَا يَوْمَ وَقَفْتَ أَمَامَ أَبِيهَا وَقُلْتَ: قَبِلْتُ زَوَاجَهَا.

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لِكُلِّ عَرُوسَيْنِ، وَأَنْ يُبَارِكَ عَلَيْهِمَا، وَيَجْمَعَهُمَا فِي خَيْرٍ.

د. صلاح محمد الشيخ
مستشار تربوي وأسري

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *