داءان بغيضان ومتناقضان، يقف كلٌّ منهما على طرف نقيض من الآخر، ومع ذلك تجمع بينهما النفوس غير السوية. وهذان الداءان هما: التملق، ونكران الجميل.
فالتملق هو الكذب والمبالغة في نسبة الأعمال والأقوال إلى غير أهلها؛ تزلفًا ونفاقًا، طمعًا في مصلحة أو منفعة دنيوية، رغم ما ينطوي عليه من انحطاطٍ خلقي، وهدرٍ لكرامة المتملق، وإراقةٍ لماء وجهه، وانحدارٍ في مستوى عزة نفسه، حين ينسب إلى غيره ما لم يفعلوه.
أما الداء الآخر فهو نكران الجميل، ويتمثل في عدم شكر من أحسن إليك وأسدى لك معروفًا. وقد قال نبينا ﷺ: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله».
إن الله سبحانه وتعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه أن يشكره، والله غني عن عباده، ولكنه، بحكمته، أراد أن يسود بين الناس، إلى جانب اصطناع المعروف، خلقُ الوفاء والعرفان بالجميل. ومن هنا كان من كريم الأخلاق، ورفيع الأدب، وحسن الوفاء، أن يعبر الإنسان عن شكره لمن أحسن إليه، وأن يقدر معروفه، وألا ينساه أو يجحده. وهذا من مقتضيات الفطرة الإنسانية السوية، والقلوب الصافية التي جُبلت على محبة من أحسن إليها. كما أن للشكر والتقدير أثرًا كبيرًا في تعزيز المعروف، وتوثيق الروابط، ومضاعفة الإحسان.
إن بعض الناس ينسون، أو يتناسون، فعل الجميل، بل ربما قابلوا الإحسان بالإساءة والجحود، ولا يذكرون من أحسن إليهم إلا إذا استجدت لهم حاجة، فعادوا يطلبون المعروف مرة أخرى، فيغرقونك بالحمد والثناء الذي قد يبلغ حدَّ التملق، وذلك من اللؤم.
وليعلم الجميع أن من جُبلوا على إسداء المعروف لا ينتظرون جزاءً ولا شكورًا، وإنما يرجون ما عند الله عز وجل، ويجدون لذتهم وسعادتهم في فعل الخير نفسه، لا انتظارًا لثناء أو مدح. كما أنهم لا يتبعون معروفهم منًّا ولا أذى، ولا يذكرون صنيعهم، ولا يضخمونه، ولا يطرونه في المجالس، ولا يوثقونه في كتبهم أو مذكراتهم.
وفي حياة كثير منا مواقف لا نزال نتذكر بعضها، بينما يغيب كثير منها عن الذاكرة، ويبقى الدعاء الصادق لكل من أسدى إلينا معروفًا خير وفاءٍ وأقلَّ صور المكافأة. وحين تستدعي الذاكرة موقفًا جميلًا أو يدًا امتدت بالعون، فإن أول ما ينبغي أن نستحضره هو الشكر والدعاء والثناء الصادق.
وفي المقابل، فإن نكران الجميل لا ينبغي أن يثنينا عن بذل المعروف، سواء مع الجاحد أو غيره؛ لأن المؤمن إنما يبتغي بعمله وجه الله تعالى، ولا ينتظر مكافأة من الناس، فلا يضره بعد ذلك جحود جاحد، ولا تنكر متنكر.
إن من الواجب على كل إنسان أن يجعل نصب عينيه حقيقة لا تغيب عن قلبه، وهي أن المعروف، وإن نسيه الناس، فلن يضيع عند رب العالمين. وصاحب المعروف لن يخسر شيئًا؛ لأنه لم يصنع إحسانه انتظارًا لمكافأة أو شكر، وإنما ابتغاءً لرضوان الله.
وفي المقابل، ينبغي لمن أُسدي إليه المعروف أن يدرك أن كلمات الشكر، والعرفان بالجميل، وحسن التقدير، تزيد المحبة، وتبعث الرضا في النفوس، وتحفز الهمم، وتنشر السعادة بين الناس. فلحسن التقدير أثرٌ جميل في النفوس، فلا تبخل به على أهلك، وأصدقائك، ومن حولك، وكل من تربطك بهم صلة في معترك الحياة، وسترى ما له من أثرٍ عظيم.
سلمان بن محمد العُمري
alomari1420@yahoo.com
مقالات سابقة للكاتب