عبء المجاملات… وثِقَل التكاليف

في واسع العذر… حين أثقلت المجاملات كاهل المجتمع

لم يعد المشهد الاجتماعي كما كان قبل عقود من الزمن؛ فقد تكاثرت المناسبات، وتزاحمت الالتزامات، وتنوّعت الواجبات التي يراها الناس اليوم جزءًا من “الالتزامات الاجتماعية” أو “الواجب الأخلاقي”. ومع هذا التضخم في المناسبات، أصبح كثيرون يعيشون في مساحة ضيقة بين الإقدام والإحجام، وبين الرغبة في المشاركة والخشية من عدم القدرة، وبين ما يُظهره الإنسان للناس وما يخفيه من ظروف لا يعلمها إلا الله.

مناسبات متتالية… وطاقات بشرية محدودة

حفلات الزواج، ومناسبات التخرج، وقدوم المواليد، والعودة من السفر، والانتقال إلى منزل جديد، والترقيات، وافتتاح المشاريع… سلسلة طويلة من الأحداث التي تحوّلت إلى محطات اجتماعية تستدعي الحضور، والهدية، والمشاركة، والتهنئة، وربما الالتزام المالي.

ومع اتساع دائرة العلاقات، وكثرة الأقارب والأصدقاء، تضخمت التكاليف حتى أصبح كثير من الناس يحمّلون أنفسهم ما لا يطيقون. فمنهم من يبذل حياءً، ومنهم من يفعل ذلك احتسابًا للأجر، ومنهم من يقدّمه وفاءً لحقّ سابق، لكن الجميع – بلا استثناء – يحمل على كتفيه أعباءً لا تظهر للعيان.

بين مقتدرٍ باذل… ومثقلٍ بالواجبات

ليس كل من غاب معتذرًا، وليس كل من حضر قادرًا. فهناك من وسّع الله عليه في المال والوقت، وهناك من تحيط به من الالتزامات الأسرية والمهنية والمالية ما يجعله يختنق بين الواجبات. ومع ذلك، لا يزال بعض الناس ينظرون إلى الجميع على أنهم مقتدرون، وأن الغياب تقصير، وأن عدم المشاركة جفاء.

لكن الحقيقة أن لكل إنسان ظروفًا لا يعلمها إلا الله، وأن كثيرًا من الناس يبتسمون وهم يحملون أثقالًا لا يراها أحد.

هل نحتاج إلى إعادة ضبط المفاهيم؟

نعم… وبإلحاح.

لقد آن الأوان أن نخفف من هذه الالتزامات، وأن نعيد تعريف “الواجب الاجتماعي”، وأن نضع حدًّا مناسبًا للمجاملات، بحيث:

– يفي بالغرض.

– يؤدي الواجب.

– يرفع الحرج.

– ويبتعد عن التفاخر، والمباهاة، والتكاثر.

فليس المطلوب أن تتحول المناسبات إلى سباق في الهدايا، ولا إلى منافسة في الحضور، ولا إلى اختبار لمدى قوة العلاقة، بل المطلوب أن تبقى الروح، وأن يبقى الود، وأن يبقى المعنى.

في واسع العذر… فلسفة اجتماعية راقية

لو جعل بعضنا بعضًا في واسع العذر، لاختفت كثير من المشكلات الاجتماعية، ولتلاشت مشاعر اللوم والعتب، ولأصبح المجتمع أكثر رحمةً ولطفًا.

– نشكر الباذل.

– ونلتمس للغائب عذرًا.

– ونقدّر الظروف.

– ونستر على الناس ما استطعنا.

ونستنير بقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.

وقال رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم».

علمتني الحياة…

أن لكل إنسان ظروفه، وإن بدا للناس خلاف ذلك. فمن تيسّر له فاشكروه، ومن تعسّر عليه فاعذروه، وأخفوا عنه اللوم؛ فإن النفوس لا تُحمَّل فوق طاقتها.

الهدية… حين تكون من طيب النفس

الهدية تورث المحبة، نعم، لكنها ليست واجبة على كل أحد، ولا ينبغي أن تتحول إلى معيار للحب أو الوفاء. فالهدية تُقدَّم عند القدرة، وبطيب نفس، لا تحت ضغط المجتمع، ولا تحت وطأة التوقعات.

ختامًا…

اللهم أعن كل مثقلٍ ومحتاج، واجعل مجتمعنا متراحمًا، متفهمًا، متعاذرًا، لا يحمّل بعضه بعضًا فوق الطاقة.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *