يظن بعض الناس أن التفاؤل صفةٌ يولد بها الإنسان، وأن المتفائل يرى الدنيا جميلة مهما حدث، بينما المتشائم لا يرى إلا الجانب المظلم. والحقيقة أن التفاؤل، في كثير من الأحيان، ليس موهبة فطرية بقدر ما هو طريقة في النظر إلى الحياة والتعامل مع أحداثها.
فالتفاؤل لا يعني تجاهل المشكلات أو إنكار الواقع، بل يعني الإيمان بأن الظروف الصعبة يمكن تجاوزها، وأن في كل تجربة درسًا، أو فرصةً، أو جانبًا يستحق التأمل.
ومن الأمور التي تساعد على بناء هذه النظرة الإيجابية أن يحرص الإنسان على تجديد علاقته بالعالم من حوله؛ فالانغلاق داخل دائرة ضيقة من الأفكار والعادات قد يجعل الحياة تبدو مكررة ومملة، بينما يفتح التعرف على أشخاص جدد، وخوض تجارب مختلفة، أفقًا أوسع للفهم والتقدير. كما أن تقبل التنوع بين الناس والثقافات يجعل الإنسان أكثر مرونة، وأقل ميلًا إلى إصدار الأحكام السريعة على الآخرين.
ومن المفيد أيضًا أن يتوقف الإنسان بين الحين والآخر ليتأمل النعم التي اعتاد وجودها في حياته؛ فكثير من الأشياء الجميلة نفقد الإحساس بقيمتها بسبب اعتيادنا عليها، وعندما نتخيل حياتنا دون بعض النعم التي نعيشها اليوم، ندرك حجم ما نملكه من أسباب الامتنان والرضا.
كذلك، فإن الأحداث السلبية ليست دائمًا شرًا خالصًا كما تبدو في لحظتها الأولى؛ فكثير من الناس اكتشفوا، بعد سنوات، أن موقفًا أزعجهم أو خسارةً أحزنتهم كانت سببًا في خير لم يكونوا يتوقعونه. وهذا لا يعني البحث عن الأعذار لكل مشكلة، وإنما محاولة رؤية الصورة كاملة، وعدم التوقف عند الجزء المؤلم منها فقط.
ولأن النفس البشرية تتأثر بما يحيط بها، فإن الضحك واللحظات المبهجة ليسا أمورًا هامشية كما يظن البعض، بل هما جزء من التوازن النفسي؛ فابتسامة صادقة، أو جلسة لطيفة مع الأصدقاء، أو موقف طريف، كلها تخفف من ضغوط الحياة، وتجدد النشاط الداخلي للإنسان.
ولا يمكن الحديث عن التفاؤل دون الإشارة إلى أهمية العناية بالصحة؛ فالنوم الجيد، والحركة اليومية، والغذاء المتوازن، كلها عوامل تؤثر في المزاج وطريقة التفكير. ولهذا نجد أن الإنسان المنهك جسديًا يكون أكثر عرضة للقلق والتشاؤم من غيره.
كما أن للأصدقاء والأشخاص المحيطين بنا أثرًا كبيرًا في تشكيل نظرتنا للحياة؛ فبعض الناس يمنحون من حولهم طاقة إيجابية، وأملًا، وحماسًا، بينما ينقل آخرون القلق والإحباط باستمرار. لذلك، من الحكمة أن يختار الإنسان صحبته بعناية، وأن يقترب ممن يعينونه على النمو والتوازن.
ومن أجمل ما يرسخ التفاؤل في النفس أن يكون الإنسان مصدر خير للآخرين؛ فالكلمة الطيبة، والمساعدة الصادقة، والعمل التطوعي، ومساندة المحتاجين، لا تنفع الآخرين فحسب، بل تمنح صاحبها شعورًا بالرضا، وبالأثر الطيب الذي يتركه في حياة الناس، فينظر إلى الحياة بتفاؤل أكبر.
وإذا كانت هذه الأسباب كلها تعين الإنسان على بناء نظرة إيجابية للحياة، فإن المؤمن يملك مصدرًا أعظم للتفاؤل يتمثل في إيمانه بالله تعالى، وحسن ظنه به. فقد دعا الإسلام إلى التفاؤل، ونهى عن التشاؤم، وكان النبي ﷺ يحب الفأل الحسن؛ لما يبعثه في النفس من أمل وطمأنينة. كما أن القرآن الكريم يربط المؤمن دائمًا بالرجاء وعدم اليأس، ويغرس في نفسه الثقة بأن بعد العسر يسرًا، وأن رحمة الله أوسع من الشدائد التي يمر بها الإنسان.
ولهذا فإن التفاؤل، في المنظور الإسلامي، ليس مجرد شعور مؤقت، بل هو ثمرة من ثمار الإيمان، تدفع صاحبها إلى الصبر، والعمل، والأخذ بالأسباب، مع الثقة بأن الله لا يضيع أجر من سعى واجتهد.
وفي النهاية، يبقى التفاؤل قرارًا يتجدد كل يوم. قد نتعثر أحيانًا، وقد تمر بنا لحظات ضعف أو إحباط، لكن المهم ألا نستسلم لها. فالحياة لا تخلو من الصعوبات، لكنها لا تخلو أيضًا من الفرص، والنعم، والأسباب التي تدعو إلى الأمل. ومن اعتاد أن يبحث عن النور وسط العتمة سيجده، في الغالب، أقرب مما يظن؛ فالتفاؤل ليس انتظارًا لما هو أفضل فحسب، بل هو القدرة على رؤية الفرص وسط التحديات، وصناعة الأمل رغم صعوبة الطريق.
مقالات سابقة للكاتب