الزوجة .. ونار الظنون

في زمنٍ تتسارع فيه التقنية، وتزدحم الشاشات بالأفلام والدراما السوداء، تسلَّل إلى بعض الزوجات – وهنَّ قلة ولله الحمد – داءُ الشك في تصرفات الزوج وسلوكه. ومن باب التحذير والوقاية، فإن هذا المرض غالبًا ما يبدأ بالتأثر بالأفلام، أو بقصص المواقف السلبية التي ترويها بعض الصديقات، أو بسبب الفراغ العاطفي، حتى يتحول إلى ظنون تُربك استقرار الأسرة، وتُطفئ المودة، وتزعزع الثقة بين الزوجين.

فقد تتأثر بعض الزوجات بما يشاهدنه أو يسمعن عنه، فيقسن تصرفات أزواجهن على مشاهد الدراما، فيُفسَّر تأخر الزوج في العودة إلى المنزل، أو انشغاله ببعض أعماله، على أنه دليل على علاقةٍ محتملة. وقد يتطور الأمر – مع اتساع دائرة الشك ووسوسة الشيطان – إلى الرغبة في الاطلاع على هاتف الزوج وتفتيشه، إن لم يكن ذلك قد وقع بالفعل، فيتحول الهاتف إلى ساحة معركة؛ تفتيش، ومراقبة، وتحليل لكل رسالة أو اتصال، وهي سلوكيات تهدم الثقة وتُضعف أركان الحياة الزوجية. وقد يكون الدافع لدى بعضهن غيرةً على الزوج، لكنها غيرةٌ غير محمودة إذا تجاوزت حدودها الشرعية، فأصبحت مصدر إزعاجٍ وتوتر، بدلًا من أن تكون مظهرًا للمودة والحرص.

وقد وضع لنا الشرع منهجًا واضحًا يحمي البيوت من الانهيار، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، فهي قاعدة عظيمة تحفظ العلاقات من الشكوك والظنون. والأصل في المسلم البراءة وسلامة الظن، وقد نهى الله تعالى عن سوء الظن؛ لأنه باب يفتحه الشيطان للتفريق بين الزوجين، وإفساد ما بينهما من مودة ورحمة.

ولتجاوز هذا السلوك إذا خطر ببال أحد الزوجين، فإن البداية تكون بمراقبة الله تعالى، واتباع هدي رسوله ﷺ، واستحضار أن الأصل هو البراءة وسلامة الظن. ثم يأتي بعد ذلك تصحيح طريقة التفكير، والتمييز بين الخيال والواقع، وتعزيز الثقة بالنفس، وبناء حوار هادئ وصريح بين الزوجين عند حدوث أي موقف قد يثير الشك، مع إغلاق أبواب الوساوس، وإعادة النظر في اختيار الصديقة الصالحة التي تُعين على الخير، ولا تُهوِّل المواقف أو تُغذي الشكوك.

ومن المؤشرات التي تدل على صلاح الزوج وحسن استقامته: محافظته على الصلاة، واستقامته في أخلاقه، واحترامه لزوجته، واهتمامه بأسرته، وحرصه على أداء مسؤولياته؛ فهذه كلها شواهد تُطمئن النفس، وتدعو إلى حسن الظن، لا إلى الارتياب.

ولعل من أهم التطبيقات العملية التي تُعد صمام أمان للحياة الزوجية:

– تخصيص جلسة دورية للحوار والمصارحة، بعيدًا عن القلق والظنون.

– احترام خصوصية كل من الزوجين، وعدم انتهاكها دون مسوغ شرعي.

– الإكثار من كلمات الحب، والمودة، والرحمة؛ فهي تُعزز الطمأنينة، وتُغلق أبواب الشك.

وفي الختام، أقول لكل زوجة فاضلة:

الشك نارٌ؛ إن تُركت اشتعلت، وإن أُطفئت أزهرت الحياة.

فالحياة الزوجية تُبنى على الثقة، وحسن الظن، والصدق، واليقين، لا على الشكوك والظنون.

د. صلاح محمد الشيخ

مستشار تربوي وأسري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *