قراءة في الذاكرة
” عطاالله ، عبدالقادر ، عبدالهادي : القاسم المشترك بين هذه الأسماء ليس مجرد الاشتراك في لفظ الجلالة ؛ بل إن كل اسم منها يعكس صلة الإنسان بربه من زاوية مختلفة . ويمكننا أن نبني فلسفة موحدة تربط بين دلالة الاسم والمعنى الإيماني = نقول : يبدأ الطريق بعطاء ، ويطمئن بالقدرة ، ويكتمل بالهداية !!! هذه النماذج بمثل هذه السردية يلزم تصديرها للمنظومة الاجتماعية ، وتخليدها كسياق ثقافي يجمع بين الحسنين = الدنيوي والأخروي ” وإننا لفاعلون مع كل الأخيار من أبناء خليص بمايستعيد حضورهم في الوجدان والذاكرة ”
تقوم الذاكرة برصد وتخزين صور ( غاليك ) حتى تتحول إلى مشهديه : ينشغل بها المتخيل ، وتستقر في الوعي في حركية متسارعة ، وتسحب ورائها مواقف وحالات أخرى ؛ كأنما تستعرض مواجعك … وتنصت للغة الفقد ، وتستعذب البكاء والحزن !!!
يلحق موتانا بربهم ولكل منهم شخصية تتباين مع الآخر ؛ كأنما لا يتشابهون إلا في الفراغ الذي يتركونه على مقاعدهم ، ومؤنة السفر في رحلتهم إلى وعد الله ، والخبيئة الرابحة بينهم وبينه ؛ فإذا جاء ذكرهم فإنك لا تستطيع أن تقفل ملف المآثر التي تتكشف تباعا حتى يطمأن يقينك بعلو منزلتهم في الدارين : ذلك أن الله لايضيع أجر من أحسن عملا ، وأن الناس يتسابقون على ذكره ويؤدون أمانة من استودعهم فضله .
لا تستطيع أن تحصر ( أبو عصام ) بين قوسين : كأن تذكر رجلا بأنه ( شجاع ) فتكفيك صفته عن وصفه ، أو ( كريم ) فتكفيك شهرته عن إسمه . عبدالهادي = نموذج فريد في علاقته بالله وعلاقته بالآخر وبكل مناشط حياته . يكفي ان تعرف أنه ولد ( عاقلا ) ولم يجهل ، كما قالت أمه ذات يوم في توصيف بليغ : ( إن ابني لم يعرف طيش الشباب منذ نشأته ) ونحن قد عاصرناه وخبرناه فعرفنا صدق توصيف أمه ( رحمهما الله ) هذا الرجل حتى ( لبره ) طريقة خاصة ، و ( لمجلسه ) حكاية خاصة ، ولعمله ( مكانة ) خاصة : هو اللفظ والمعنى ، هو الشكل والمضمون ، هو النص والقراءة ؛ حتى هو ميت يشير لك بالرضا ؛ كأنما ينبئك باستعداده لمقابلة ربه وحبيبته ( أم اولاده ) التي سبقته لئلا يثقل عليها حزنها عليه ؛ فيستوطنك الإيمان بالقضاء والقدر ، وتتمنى أن تمسح جبينه وترش عليه عطرا ، وتتلو عليه آيات من الذكر الحكيم .
وأنا اقبله روعني الحزن الذي لف وجه ابنته ( بنان ) وأغرق عينيها ؛ فوددت لو قلت لها = لا تحزني فأبيك حمل زاد الرحلة …
عجيب أمر هؤلاء القوم حتى وهم ميتون يعطونك درسا في الحياة !!!
الموت هو الحق الوحيد الذي لم تعترف به البشرية
رغم عرضه على منصات الوجود منذ الأزل ، وشموله كل المخلوقات . ومن دلائل الإنكار – أو بمعنى أقل حدة – أننا لا نستوعبه دفعة واحدة ؛ بل على مراحل . وتكتمل قناعتنا بعد استيفاء الإجابات على عدة أسئلة : منها مايتعلق بالكيفية والتمريض والطبابة ، ومنها مايتعلق بخلفه من الأبناء وإرثه . وكلها استفسارات تتوسل البقاء على هامش المتخيل !!!
حتى مع مرور الزمن تحتفظ الذاكرة بحشد من الصور تستعصي على الإزاحة ، وتقاوم النسيان .
ولعل حالة ( أبو عصام ) اكثر فجيعة من غيرها . استثناء في التوقيت ، واستثناء في التصديق . عبدالهادي لم يكن من ( عيال الموت !!! ) كما يرد في ” المحفوظات الشعبية ” بل رجلا خارج سياقات النقاش الدنيوي . علاقة عبدالهادي بالسماء = فإذا صلى الفجر لا يغادر المصلى حتى يطرد الصباح آخر قطع الليل !!!
فإن أردت الدعاء له ؛ فانتحي ركنا قصيا من المسجد في المهاجع على تخوم الصباح ، وحلق بروحك للسماء حتى مشارف العرش وأحضان الرحمة . وادعو له لعله يسمعك فقد كان كل يوم يعرج إلى هناك …
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب