الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين.

أمَّا بعدُ:

فالطعنُ في الأنساب داءٌ عُضال، وألمٌ قديم، صنعه الحسد، ومجَّده الحقد، وترعرع في النفوس الضعيفة، والهِمم الوضيعة. وهو من مآثر الجاهلية، وطبعٌ من طباعها، ولحنٌ من أوتارها؛ فكانت قبيلةٌ تُهين أخرى، وتقدح في ثانية.

ثم تطوَّر الأمر مع الزمان، واتسع الخرق على الراقع، حتى أصبح الطعن في دولةٍ كاملة، وأمةٍ بأسرها؛ فلا مستند لمن يطعن، ولا دليل لمن يقذف، ولا بيِّنة لمن يجحد.

وقد حارب الإسلام ذلك، وحذَّر منه ومن تبعاته؛ فإنه تُنتهك بسببه الحرمات، ويُذل الأشراف، وتُستباح الأموال، وتقوم الحروب.

والناس مؤتمنون على أنسابهم، وقد حفظت الشريعة للناس أنسابهم، وعشائرهم، وقبائلهم.

قال النبي ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». متفق عليه.

وبيَّن النبي ﷺ أن هذه الخصلة لن تختفي من هذه الأمة، فقال: «أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت». رواه مسلم.

وذلك لما يطرأ بين الفينة والأخرى من أشخاصٍ يستفيدون من تأجيج هذه النعرات، وهي من أسهل الوسائل لشغل الناس، وتدمير وحدتهم، وتفريق كيانهم، وتمزيق حياتهم، وذلك مما يحبه الشيطان ويرتضيه.

والناس تحركهم الأهواء، وتستهويهم الشعارات، وتميل بهم الشائعات. واليوم، في وسائل الإعلام الحديثة، ظهر من هرف بما لا يعرف، وبرز من يعرف فكتم الحقيقة، وكُذِّب الصادق العارف. ولو أُغلق عليهم الباب، وأُوصد دونهم الطريق، لكفُّوا، ولم تقم لهم قائمة.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

[الحجرات: 13]

وقال النبي ﷺ:

«يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى». رواه أحمد.

وقال النبي ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه:

«يا أبا ذر، أعيَّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية». متفق عليه.

ونعرف لكل قوم مكانتهم، ولكل عشيرة قدرها، ولكل ذي فضل منزلته، غير أن المال والغنى ليسا ميزانًا لمكانة الإنسان، بل الميزان هو التقوى، وحسن الخلق، والعمل الصالح.

وقال النبي ﷺ:

«ومن بطَّأ به عمله، لم يسرع به نسبه». رواه مسلم.

فأبو لهب كان أحد أشراف قريش، ولكن لم يُغنِ عنه نسبه شيئًا، قال الله تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾

[المسد: 1-3]

وبلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه، رفعه الله بالإيمان حتى صار من أهل الجنة، فقال له النبي ﷺ:

«يا بلال، حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة». متفق عليه.

خلاصة القول

إن الأنساب جُعلت للتعارف، وصلة الأرحام، لا للخصام والاحتراب. فمن أراد رفعة، فليطلبها بطاعة الله، وحسن الخلق؛ فكل الحبال يوم القيامة منقطعة، إلا حبل التقوى والإيمان.

والكلام في هذا الباب يتسع، ويجر بعضه بعضًا، ولكن في هذا كفاية.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ

غير معروف

فتح الله عليك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *