غربة وسط الزحام

بين القبول والرفض يمتد عالمٌ من العتمة النفسية والاجتماعية. فحين يشعر الإنسان بأنه غير مقبول أو غير مُرحَّبٍ به، قد يدخل في عزلةٍ وصراعٍ داخلي يدفعانه إلى صناعة شخصية لا تشبه حقيقته؛ شخصيةٍ هدفها لفت الانتباه أو استجداء الاهتمام، ولو كان اهتمامًا زائفًا.

ترى من يشتري الصداقة بالإغداق في العطاء والهدايا، فيجتمع حوله المنتفعون لا الأصدقاء، بينما يدرك في أعماقه أن ما يحيط به ليس مودةً صادقة، بل مصلحةً عابرة. وترى آخر يسابق الزمن لتحقيق نجاحاتٍ لا يجد فيها متعةً ولا رسالة، وإنما يريد أن يثبت أنه يستحق التقدير والقبول. وهكذا تتحول الحياة إلى سباقٍ مُرهق خلف رضا الآخرين، بينما يبتعد الإنسان شيئًا فشيئًا عن ذاته الحقيقية.

إن كثيرًا من الناس لا يعرفون ما الذي يريدونه حقًا؛ لأنهم اعتادوا أن يعيشوا وفق توقعات الآخرين، لا وفق قناعاتهم. نهرب من أنفسنا بدلًا من أن نصالحها، وننشغل بإرضاء الناس بدلًا من أن نبني ذواتنا، مع أن الامتنان للنفس وتقبُّلها هو بداية كل نمو حقيقي.

ولا يكفي أن تبحث عن حب الآخرين، بل احرص أولًا على أن تحترم نفسك. تجنب الأفعال التي تجعلك تحتقر ذاتك، واسعَ إلى أعمال تجعلك تنظر إلى نفسك برضا، وتشعر أنك إنسان يستحق المحبة والاحترام. فالقيمة الحقيقية لا يمنحها تصفيق الناس، وإنما يمنحها ضميرٌ مطمئن وسلوكٌ مستقيم.

ويقول الفيلسوف جان بول سارتر: «الحرية هي ما تفعله بما فُعل بك.» وهي عبارة تختصر حقيقةً مهمة؛ فنحن لا نختار كل الظروف التي نمر بها، لكننا نملك حرية اختيار الطريقة التي نستجيب بها لها. ليست الأحداث وحدها هي التي تصنع مصير الإنسان، بل كيفية تعامله معها.

لذلك، لا تجعل حياتك سلسلةً من ردود الأفعال، ولا تعلّق سعادتك على الظروف أو على نظرة الآخرين إليك. قف عند كل تجربة، وتأملها، وتعلّم منها، ثم واصل طريقك بثبات.

ومن أهم ما يحتاج إليه الإنسان في رحلته بناء الصلابة النفسية. فالتربية التي تجعل قيمة الإنسان مرهونةً برضا الآخرين قد تزرع في داخله هشاشةً تجعله ينهار أمام نقدٍ أو كلمةٍ عابرة. أما الصلابة النفسية فهي أن تبني داخلك جدارًا يحميك من تقلبات الخارج، فتستوعب الصدمات دون أن تنكسر، وتتعلّم منها دون أن تفقد ذاتك.

ولا تقل أهميةً عن ذلك حماية الحدود الشخصية. فليس لأحدٍ حقٌّ في أن يفرض عليك شكل حياتك، أو اختياراتك، أو أسلوبك، ما دامت لا تضر أحدًا. ولست مطالبًا بأن تبرر كل قرار تتخذه، أو أن تدافع عن كل رغبة تشعر بها، أو أن تعيش وفق مقاييس الآخرين. احترامك لحدودك هو احترامٌ لكرامتك، ومن لا يحترم حدودك لن يحترمك.

في النهاية، الحياة التي تُبنى على استجداء القبول حياةٌ مسلوبة، أما الحياة التي تُبنى على معرفة الذات واحترامها والسعي إلى تطويرها فهي حياةٌ حرة، مهما كثرت فيها التحديات. فابحث عن رضا ضميرك قبل رضا الناس؛ لأن من عرف نفسه، وقدّرها، وأحسن إليها، لن تسرق حياته نظرات الآخرين ولا أحكامهم.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *