بأمر الأمن السيبراني: ممنوع الدخول!

ثَمَّةَ مبدأ في أمن المعلومات، يطلق عليه مبدأ “أقل الامتيازات” حيث يُمنح المستخدم -وفق هذا المبدأ- الحد الأدني من مستويات الوصول أو الصلاحيات اللازمة لأداء مهامه الوظيفية. ويعتبر هذا المبدأ أفضل ممارسات الأمن السيبراني، وخطوة أساسية لحماية البيانات والأصول عالية القيمة.
وهذا المبدأ يستند على حسن إدارة الثقة، وليس على مجرد سوء الظن؛ لأن الأنظمة قد تنهار بسبب الصلاحيات الزائدة.
ومن يتمعن دلالات هذا المبدأ؛ يعي أن تفاصيله تُشكّل قانوناً خفياً يحكم سلامة الروح قبل أن يصبح هذا المبدأ قاعدةً في الأمن السيبراني. فكل اختراق يبدأ من صلاحيةٍ مُنحتْ في غير موضعها، وكل انهيار عظيم كان في بدايته باباً صغيراً تُرك موارباً.
وفي حياتنا الاجتماعية، يمكننا العمل وفق هذا المبدأ، حيث لا تقل الصلاحيات فيها أهميةً عنها في العالم الرقمي؛ فليس كل قريبٍ مؤهّلاً للتدخل في قراراتك، وليس كل صديقٍ يملك حق مساءلتك عن كل تفاصيل حياتك، وليس كل زميلٍ يستحق أن يعرف مشاريعك، أو خططك، أو مخاوفك.
وعندما تتأمل حال بعض العلاقات الاجتماعية؛ تجد أنها أخفقت في مواصلة الرحلة؛ لأنها مُنحت صلاحياتٍ أكبر من قدرتها الأخلاقية على حمْلها.
كذلك يمكن الاستعانة بمفهوم هذا المبدأ على المستوى الشخصي، فليس لكل فكرةٍ عابرة صلاحية أن تتحول إلى قناعة، وليس لكل خوفٍ حق إدارة المستقبل، وليس لكل ذكرى قديمة إذنٌ بإعادة كتابة لحظتك الراهنة.
فهناك أفكار، أو مشاعر ينبغي أن تبقى عابرة، أو زائرة، ولا تمنح حق الإقامة.
والإنسان الواعي هو من ينجح في تحديد مستوى الوصول، وليس فقط في استخدام خاصية منع الدخول.
ولعلّ هذا هو الفارق بين الإنسان الحكيم والإنسان المنهك؛ فالأول لا يمنع الناس من الاقتراب، لكنه يمنعهم من امتلاك مفاتيح لا تخصهم. أما الثاني، فيوزع مفاتيحه؛ بدافع الطيبة، ثم يقضي عمره يُغيِّر الأقفال.
إن أكثر الناس أمناً من أتقن هندسة الثقة، وليس من عاش بلا علاقات؛ فهو يعرف متى يمنح، وماذا يمنح، ولمن يمنح، وإلى أي حد يمنح.
إن الثقة التي لا تعرف الحدود؛ تتحول إلى هشاشة، والكرم الذي لا يعرف القياس؛ يتحول إلى استنزاف، والانفتاح الذي لا يميّز بين الناس؛ يصبح دعوةً مفتوحة للاختراق.
وعندما تأملتُ فوائد هذا المبدأ؛ وجدتُ أن الحياة نفسها تبدو وكأنها تهمس لنا بالمبدأ ذاته “الحد الأدني من صلاحيات الوصول”:
لا تمنح أحداً من الصلاحيات أكثر مما تقتضيه مهمته في حياتك.
فليست كل علاقةٍ تستحق مفاتيح قلبك، وليست كل محبةٍ تستحق حقَّ تشكيل وعيك، وليست كل صحبةٍ تستحق أن تدخل إلى غرفك الداخلية.
فكما تُحفظ الأنظمة بحسن إدارة الصلاحيات، تُحفظ الأرواح بحسن إدارة الحدود.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *