منظارك

🖋️ إن الرؤية والزاوية التي ننظر من خلالها إلى الأشياء تؤثر تأثيرًا بالغًا في قبولنا لها أو رفضنا إياها، وفي فرحنا بها أو سخطنا عليها.

ذُبحت شاة في بيت النبي ﷺ، فتُصدِّق بمعظمها، فسأل النبي ﷺ:

«ما بقي منها؟»

فأجابت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

«ما بقي منها إلا كتفها.»

وكأنها تقول: لم يبقَ لنا شيء.

فقال النبي ﷺ:

«بقي كلها غير كتفها.»

هنا غيَّر المصطفى ﷺ المنظار؛ فجعل الباقي الحقيقي هو ما أُعطي وتُصدِّق به، لا ما احتُفظ به.

وكأن هذا التحول في زاوية النظر (Shift) جعل عائشة رضي الله عنها أكثر سرورًا مما كانت عليه.

منظارك يغيّر حالك.

ففي منظاره ﷺ، ما تم توزيعه هو الذي سيبقى أجره وثوابه.

يا لها من رؤية نبوية غيَّرت منظار أم المؤمنين، فتحوّل تعجبها إلى ابتسامة رضا! هكذا يتغيّر فهم الإنسان عندما يتغير المنظار الذي ينظر به إلى الأمور.

ما سنأكله سينتهي، وما نعطيه سيبقى.

إنها قاعدة نبوية عظيمة نحتاج إلى استحضارها في حياتنا؛ فما نستهلكه يفنى، وما نبذله ونعطيه هو الذي يبقى لنا في الدنيا برًّا وذكرًا، وفي الآخرة أجرًا وذخرًا.

وأحيانًا نتوجس من بعض التصرفات الصادرة ممن نحب، وربما كان ذلك لعظيم المكانة التي نكنها لهم، ويكنونها لنا.

وهكذا كان الموقف في توزيع الغنائم؛ إذ وجد الأنصار شيئًا في أنفسهم عندما وزع رسول الله ﷺ الغنائم، وأعطى الناس نصيبهم، بينما كانوا ينظرون.

فقال لهم ﷺ:

«ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟»

عندها تغيّرت عدسة الرؤية إلى ما هو أعظم مما فاتهم، فدمعت العيون؛ إذ أدركوا أن أعظم نصيب هو صحبة رسول الله ﷺ وقربه.

إن كثيرًا من السلوكيات تحتاج إلى منظار الاتزان، والحكمة، والنظر في العواقب؛ حتى نستوعب أبعاد ما يجري من أعمال وتعاملات ومعاملات في واقعنا، على مختلف مستوياته.

ويكفي، فوق ذلك كله، أن يكون الإيمان بقضاء الله وقدره هو المنظار الأهم في تعاملنا مع ما يحصل لنا أو علينا في حياتنا.

إن قدرتنا على التفسير الإيجابي للأحداث علامة على النضج الفكري والنفسي الذي نمتلكه.

وتأملوا قول الله تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.

فما يصيبنا، وفينا، وبنا، وعلينا، إنما هو ما كتبه الله لنا، لا علينا.

وهذا هو المنظار الأهم الذي ينبغي أن نصطحبه في كل ما يمر بنا في حياتنا.

منظارك يغيّر حالك.

✍️ د. خالد بن عبدالعزيز الشريدة.. بريدة

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *