اختلطت المفاهيم في زمن المنصات الرقمية، حتى أصبح كلُّ من جمع عددًا كبيرًا من المتابعين يُوصَف بأنه مشهور، مهما كان الطريق الذي سلكه، ومهما كان المحتوى الذي يقدمه. ولم يعد بعض الناس يسألون: بماذا اشتهر هذا الشخص؟ وماذا قدَّم لمجتمعه؟ بل أصبح عدد المشاهدات كافيًا لمنحه مكانةً قد لا يستحقها.
والحقيقة أن الشهرة ليست مجرد أن يعرفك الناس، بل أن يعرفوك بما يستحق أن يُذكر. فالعالِم مشهور بعلمه، والأديب بأدبه، والمبدع بإبداعه، وصاحب المبادرة بما قدَّمه لمجتمعه. هؤلاء صنعتهم إنجازاتهم، ورفعتهم أعمالهم، وبقيت أسماؤهم؛ لأن وراءها قيمةً وأثرًا.
أما من يضع نفسه أمام الكاميرا ليقدم محتوى هابطًا، أو يتعمد إثارة الناس بتصرفات لا تليق بقيم المجتمع، فلا ينبغي أن نمنحه وصفًا يحمل معنى التقدير؛ فهو لم يصنع شهرةً حقيقية، وإنما شهَّر بنفسه، ووضعها في موضع النقد، وجعل من حياته مادةً للفرجة والتداول.
ولا أعني بالتشهير هنا العقوبة النظامية أو الاعتداء على سمعة الإنسان، وإنما أعني الحالة التي يصنعها الشخص لنفسه حين يكشف ما كان ينبغي ستره، أو يتعمد الإسفاف من أجل الانتشار، أو يهدم مكانته وقيمته بيده. فهو الذي اختار أن يقدم نفسه بهذه الصورة، وهو الذي فتح أبواب النقد عليه حين جعل من تجاوزاته محتوى عامًا يطلب به المشاهدات.
هناك فرق كبير بين من يلفت أنظار الناس إليه بما أنجز، ومن يستجدي أنظارهم بما يثيره من فضائح ومهازل. الأول ترتفع قيمته كلما ازداد الناس معرفةً به، أما الآخر فقد ترتفع أرقامه وتنخفض مكانته. فليس كل انتشارٍ نجاحًا، ولا كل معروفٍ صاحبَ قيمة. وقد يعرف الناس إنسانًا ليتعلموا منه، وقد يعرفون آخر ليحذروا من طريقته.
المؤسف أن بعض الشباب والشابات أصبحوا ينظرون إلى الشهرة بوصفها غايةً مستقلةً عن العمل والإنجاز. المهم عندهم أن يصل المقطع إلى أكبر عدد من الناس، أما الطريقة فلا أهمية لها. ولهذا نشاهد من يتنازل عن خصوصيته، أو يكشف أسرار أسرته، أو يفتعل المشكلات، أو يتعمد استخدام ألفاظٍ وحركاتٍ لا تليق؛ لأنه أدرك أن الإسفاف أسرع انتشارًا من المحتوى الجاد.
لقد تحولت حياة بعضهم إلى مسرح دائم، وأصبح البيت، والأبناء، والخلافات الزوجية، والمواقف الخاصة موادَّ جاهزةً للنشر. وما كان الناس يسترونه حفاظًا على كرامتهم، أصبح البعض يعرضه طلبًا للتفاعل. والأسوأ من ذلك أن هذه التصرفات تُقدَّم تحت عناوين براقة، مثل الحرية، والعفوية، وصناعة المحتوى، مع أنها في حقيقتها تجارةٌ بالخصوصية والقيم.
والخطر لا يتوقف عند أصحاب هذه الحسابات؛ فهم اختاروا لأنفسهم هذا الطريق ويتحملون مسؤوليته، لكن أبناءنا يشاهدون النتائج؛ يرون الشهرة، والأموال، والإعلانات، والدعوات التي يحصل عليها أصحاب المحتوى الهابط، ولا يرون في المقابل السنوات الطويلة التي يحتاجها العالم، أو المبدع، أو صاحب المشروع النافع، حتى يحقق شيئًا من الحضور.
وهنا تتكون لدى الناشئة صورةٌ مقلوبة عن النجاح: لماذا يدرسون، ويتعبون، ويطورون قدراتهم، إذا كان مقطعٌ سخيف قادرًا على منح صاحبه، في أيام، ما لا يحققه المجتهد في سنوات؟ إنها ليست أزمة محتوى فقط، بل أزمة معايير؛ لأننا نعيد تعريف النجاح أمام أبنائنا بطريقة تجعل الضجيج أعلى من الإنجاز، والإثارة أسرع من المعرفة، والجرأة على القيم أكثر ربحًا من احترامها.
وقد أصبحت منصات مثل تيك توك وسناب شات حاضرةً بقوة في حياة الأبناء، تصنع جانبًا من لغتهم واهتماماتهم وطموحاتهم. وهذه المنصات ليست شرًا في ذاتها؛ ففيها كثير من العلم والإبداع والتجارب المفيدة، لكن الخطر يكمن في أن المحتوى الأكثر إثارة يجد طريقه إلى الانتشار بسرعة، بينما يحتاج المحتوى الجاد إلى دعمٍ وجهدٍ أكبر حتى يصل. وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من ارتباط التعرض للمحتوى الرقمي الضار، والاستخدام المفرط، بمخاطر تمس صحة الأطفال والمراهقين، وسلوكهم، ورفاهيتهم النفسية.
ومع ذلك، سيكون من السهل أن نحمّل المنصات وحدها المسؤولية، وننسى دور المجتمع. فكثير من هذا المحتوى لم يصنع شهرته بنفسه، بل صنعناها نحن حين أعدنا نشره، وعلقنا عليه، وأرسلناه إلى الآخرين تحت عنوان الاستنكار. وكل مشاهدة، وتعليق، ومشاركة تمنحه انتشارًا جديدًا، حتى لو كانت نيتنا رفضه.
لقد أصبح بعض صناع الإسفاف يعرفون هذه القاعدة، فيتعمدون استفزاز المجتمع؛ لأنهم يثقون بأن الغاضبين سيقومون بتسويقهم مجانًا. ننكر عليهم فعلهم، ثم نمنحهم ما يريدون من المشاهدة والانتشار، وبعد أيام يظهرون بإعلان تجاري جديد، فنكتشف أننا لم نحاصر الإسفاف، بل أسهمنا في تحويله إلى مشروعٍ مربح.
من هنا تبدأ مسؤولية العقلاء وأصحاب الرأي. فالمطلوب ليس مطاردة الأشخاص أو انتهاك خصوصياتهم، بل كشف هذا الأسلوب، ونقد الظاهرة دون إعادة نشر موادها، والإبلاغ عن المخالفات عبر القنوات الرسمية، وحرمان المحتوى الهابط من الوقود الذي يبقيه حاضرًا.
كما أن المسؤولية تقع على أصحاب القرار، والمؤسسات التعليمية، والإعلامية، والثقافية. فنحن بحاجة إلى مبادرات جادة في التربية الإعلامية والرقمية، تعلّم الأبناء أن المشاهدات لا تصنع قيمة، وأن الشهرة ليست دليلًا على النجاح، وأن الإنسان قد يخسر احترامه وهو يربح المتابعين.
ونحتاج كذلك إلى ضوابط أكثر فاعلية للمحتوى الذي يتجاوز القيم والأنظمة، وإلى سرعة التعامل مع البلاغات، خاصة عندما يتعلق الأمر باستغلال الأطفال، أو كشف الخصوصيات، أو نشر السلوكيات المؤذية. لكن المحاسبة يجب أن تكون من خلال الجهات المختصة؛ لأن حماية المجتمع لا تكون بفتح أبواب التشهير الشخصي وتبادل الاتهامات. وقد بيَّن نظام مكافحة جرائم المعلوماتية في المملكة العربية السعودية أن التشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل التقنية، من الأفعال المجرّمة.
ولا يمكن إعفاء الشركات المعلنة من المسؤولية؛ فهي التي تحول الشهرة الرقمية إلى مكاسب مالية. وعندما تختار صاحب محتوى هابطًا للإعلان عن منتجاتها، لمجرد ارتفاع أعداد متابعيه، فهي لا تشتري مساحةً إعلانيةً فقط، بل تمنحه شرعيةً اجتماعية، وتشجع غيره على تقليده. ولذلك ينبغي ألا يُقاس المؤثر بعدد متابعيه وحده، بل بنوعية محتواه، وسمعته، والأثر الذي يتركه.
وفي المقابل، يجب ألا تقتصر المواجهة على المنع والعقوبة؛ فلدينا شباب وشابات يقدمون محتوى علميًا، وثقافيًا، وتربويًا، وتطوعيًا، يستحق أن يُدعم. ومن غير العدل أن نشتكي من انتشار التفاهة، ثم نترك أصحاب المحتوى الجاد دون مشاركة أو تشجيع، بينما نمنح المسيء وقتنا وتعليقاتنا.
لقد آن الأوان أن نعيد للكلمات معناها، وللمكانة قيمتها. فليس كل من ظهر على الشاشة مشهورًا بالمعنى الذي يستحق التقدير، وليس كل من جمع المتابعين قدَّم إنجازًا. هناك من صنع شهرته بعلمه، وعمله، وخدمة مجتمعه، وهناك من شهَّر بنفسه حين جعل الإسفاف طريقه إلى الأضواء.
الشهرة الحقيقية ترفع اسم صاحبها؛ لأنها تستند إلى إنجاز، أما الانتشار المبني على المهازل فقد يرفع الأرقام، لكنه يُسقط المكانة. وبين الاثنين فرقٌ يجب أن نعلّمه أبناءنا جيدًا؛ فالأول أثرٌ يبقى، والثاني ضجيجٌ يعيش لحظات، ثم لا يترك وراءه إلا صورةً لا تليق بصاحبها ولا بمجتمعه.
مقالات سابقة للكاتب