ما من شجرةٍ فقدت غصنًا إلا وأخرجت آخر، وما من جذرٍ ضاق به موضعه إلا امتد باحثًا عن الماء، ولا طائرٍ يطير بجناحيه غيّر مسار هجرته إلا ليبلغ الغاية نفسها، وكأن الطبيعة كلها تهمس للإنسان بحقيقة لا يلتفت إليها إلا المتأمل: أن البدائل جزء من سر الحياة، وأن القدرة على التكيف ليست ضعفًا، بل إحدى وسائل البقاء.
والإنسان بطبعه وجبلته لا يقف طويلًا أمام ما يفقده، بل يبدأ في البحث عما يعوضه، فإذا تعذر طريق سلك غيره، وإذا تعطل جهاز استبدله، وإذا أغلق باب بحث عن آخر… وكأن الحياة منذ بدايتها تدرب الإنسان على أن البدائل نعمة، غير أن الحكمة تقتضي إدراك أن البدائل ليست لكل شيء.
لقد جعل الإنسان من البديل أسلوبًا للحياة، فهو يغيّر مسكنه، ويستبدل وسيلة نقله، ويبدل عمله، ويبحث عن دواء آخر، أو مدرسة أخرى، أو طريق أقصر، أو وسيلة أكثر نفعًا، ولعل هذا ما يجعل الحياة أكثر قدرة على الاستمرار، فالبديل ليس دائمًا علامة نقص، بل وسيلة من وسائل التكيف، ورحمة ترفع المشقة عن الإنسان.
وفي واقع الحياة لم تكن الشريعة بعيدة عن هذه الفطرة الإنسانية، بل جاءت مؤيدة لها ومهذبة لمسارها، فأقرت البديل حين يكون المقصود حفظ الأصل، وشرعت الرخص عند الحاجة بابًا من أبواب الرحمة لا ذريعة إلى التفريط، فمن عجز عن استعمال الماء شُرع له التيمم، ومن عجز عن القيام في الصلاة صلى قاعدًا، ومن أصابه المرض أو كان على سفر أبيح له الفطر في رمضان ثم القضاء بعد زوال العذر… وفي كل ذلك بقي المقصد ثابتًا، وتغيرت الوسيلة رحمة بالإنسان، لا تبديلًا للدين.
وهذه قاعدة جديرة بالتأمل، فالشريعة لم تستبدل الأصول، وإنما يسرت في الوسائل المؤدية إليها، لتبقى الثوابت محفوظة، ويبقى الإنسان قادرًا على الوفاء بها دون حرج.
والمعنى أن الإنسان يقبل تبديل الوسائل كلما اقتضت مصلحته ذلك، دون أن يشعر أنه فقد شيئًا من ذاته، لأن المقصود يبقى متحققًا وإن اختلفت الوسيلة.
وكما أن البديل مبدأ تقبله الوسائل، فإن التفويض كذلك وسيلة إدارية وتنظيمية مشروعة، يُقصد بها نقل بعض الصلاحيات أو المهام مع بقاء المسؤولية على صاحبها، وهو مبدأ محمود إذا بقي في دائرة الأعمال والوسائل، أما إذا تجاوز ذلك إلى الأدوار التأسيسية التي لا يقوم غير صاحبها مقامه، فإنه يتحول من وسيلة للإعانة إلى سبب في إضعاف الأصل الذي يقوم عليه هذا الدور.
فالأمر يختلف حين نتحدث عن الأصول، فلا أحد يبحث عن بديل للصدق، ولا عن مرادف للأمانة، ولا عن بديل يؤدي وظيفة العدل، ولا عن موقف يقوم مقام الوفاء… فهذه ليست وسائل متعددة الخيارات، وإنما ثوابت إذا اهتزت اهتز معها بناء الإنسان، واضطرب معها استقرار المجتمع.
غير أن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس استبدال الأشياء، بل استبدال القناعات، فالإنسان يعيش في عالم تتدفق فيه الرسائل والصور والأفكار بلا انقطاع، حتى يصبح التكرار صانعًا للألفة، والألفة مضعفةً للمقاومة، ثم تتحول بعض الأفكار مع الزمن إلى أمور مألوفة بعد أن كانت محل استغراب أو رفض، فقد يظن الإنسان أنه اختار فكرة بإرادته الكاملة، بينما كان في الحقيقة يسير في طريق مهدته له مؤثرات متراكمة، حتى أصبح المألوف عنده معيارًا للصواب، لا الصواب معيارًا للمألوف.
ومن أبلغ الأمثلة على ذلك دور الأم، قد تقوم المربية ببعض أعمال الرعاية، وقد تساعد الخادمة في شؤون المنزل، وقد يشارك الأب في كثير من تفاصيل التربية، وكل ذلك محمود، وقد تدعو إليه الحاجة، لكنه لا يجعل أحدًا منهم مفوضًا أو بديلًا عن الأم في العلاقة مع الأبناء في مختلف أعمارهم.
فالأم ليست مجرد من يؤدي متطلبات الحياة اليومية، بل هي مصدر الانتماء، والرحمة، والأمان، والهوية، وبين يديها تتشكل اللغة قبل الكلمات، والثقة قبل التجربة، والطمأنينة قبل أن يعرف الطفل معناها، ومنها يتعلم كيف يربط بين الحب والعطاء، وبين الخطأ والتصحيح، وبين السبب والنتيجة، لأن التربية ليست ما يقال، بل ما يُعاش.
ولأن الأبناء يقرؤون الأفعال قبل الأقوال، ويقلدون السلوك قبل أن يفهموا التوجيه، كانت الأم صانعةً للإنسان في مراحل حياته، وحافظةً لتوازنه العاطفي، ومستودعًا للحب الذي يترجم إلى سلوك وقيم تبقى معه بقية عمره.
تقوم علاقة الأم على فطرة أودعها الله في قلبها، فلا يحكمها عقد، ولا تنتهي بانتهاء مهمة، ولا تعرف إجازة تؤجل فيها الأمومة إلى يوم آخر.
هي قلب لا يهرم، يفيض بالمشاعر، ولا يتوقف عقلها عن الحلم، ولا ينقطع عطاؤها. ولذلك تبذل من أجل أبنائها ما لا يفرضه عقد، ولا يحده وقت، ولا يقاس بأجر.
وهي الجسر الذي تعبر عليه الثقافة من جيل إلى جيل، بما تحمله من لغة، وعادات، وتقاليد، واحتفالات، وحكايات، حتى ينشأ الأبناء وهم يشعرون أنهم امتداد لتاريخ، لا مجرد أفراد يعيشون حاضرهم.
ولعل أجمل ما قيل في الأم ما عبّرت عنه الكاتبة أرما بومبك بقولها: “عندما تسألك أمك: هل أنت في حاجة إلى نصيحة؟ فهذا مجرد سؤال شكلي، لأن إجابتك لن تغير شيئًا، فهي ستسدي إليك النصيحة على أي حال” ، وهذا ليس إصرارًا على الرأي، بل صورة من صور الحب الذي لا يتقاعد، والاهتمام الذي لا يعرف التوقف…
الأم هي أول تجربة حب يعيشها الإنسان، وأعظم نعمةٍ وامتيازٍ يمنحه الله له في هذه الحياة، فإن كان الأبناء أزهارًا، فالأمهات غيثها، وإن كانوا ثمارًا، فالأمهات جذورها، ومهما تقدم العمر بالإنسان، يظل طفلًا صغيرًا في عيني أمه، تحمله بقلبها كما حملته يومًا بين ذراعيها، وتفرح لفرحه، وتتألم لألمه، فهل من كانت هذه منزلتها، وهذا أثرها، تُفوَّض أو تُستبدل؟.
يتسلل الخلل إلى هذه العلاقة المقدسة حين يتحول من كان معينًا للأم إلى قائم مقامها، أو من كان سندًا لها إلى بديل عنها. فليس الخطر في الاستعانة، فهي في أصلها أمر مشروع، لكن ليس كل ما اعتاده الناس يصبح طبيعيًا، ولا كل ما شاع بينهم يكون صحيًا، فالفرق كبير بين أن تكون المساعدة عونًا للأصل، وبين أن تتحول إلى بديل عنه.
تخيّل أن يعتاد الأبناء على البديل، عندها ينشؤون وهم يرون أن المرجع العاطفي شخصٌ آخر غير الأم، وحين يحدث ذلك لا تخسر الأم بعض تفاصيل التربية فحسب، بل تخسر الأسرة شيئًا من تماسكها، ويخسر المجتمع أحد أهم أعمدة استقراره.
لقد علمتنا الحياة، وقرأناه في صفحات التاريخ، أن الأمم قد تُدار تحت قباب البرلمانات، ويُصقل علمها في المدارس، وتزدهر اقتصاداتها في الأسواق، وتُصان حدودها بالقوة، لكن بدايتها الحقيقية تكون من أحضان الأمهات؛ فهناك تتشكل الشخصية، ويولد الضمير، وتُغرس القيم الأولى، ويبدأ بناء الإنسان الذي سيبني كل ما بعده.
ولعل الأيام لم تكشف حقيقةً أصدق من أن الأمومة ليست سعادةً فطريةً فحسب، بل رسالةً حضارية، وعلامةً فارقة في قوة الأوطان واستقرارها، ففي حضنها يتشكل المواطن، ويولد الضمير، وتُغرس القيم، ويبدأ تاريخ الأمة قبل أن يُكتب.
ولهذا يبقى دور الأم أصلًا لا يُفوَّض… ولا يُستبدل، فكل ما بعد الأم يمكن أن يُساندها، لكن لا شيء بعد الأم يمكن أن يكون أمًّا.
ولعل كثيرًا من الاضطراب الذي يعيشه عالمنا اليوم بدأ عندما اختلطت الوسائل بالأصول، فأصبحت الثوابت محل تفاوض، بينما تمسك الناس بالوسائل وكأنها غايات، فصار من السهل أن يفرط بعضهم في قيمة من أجل مصلحة، أو في مبدأ من أجل مكسب عابر.
ومن دروس الحياة، وصبغة الله في كونه، أن المرونة فضيلة، لكنها لا تكون على حساب الثوابت، وأن البديل نعمة إذا بقي في موضعه، وأن التفويض أداة إذا بقيت في حدود الوسائل.
الأبناء لا يتربون على الأوامر وحدها، وإنما يتربون على المعايشة، وعلى القدوة، وعلى دفء العلاقة، وعلى ذلك الحضور اليومي الذي لا يصنعه عقد، ولا يشتريه مال، يبقى الفرق بين من يشارك في بناء الإنسان، وبين من يحمل مسؤوليته الفطرية، فالمشاركة فضل، أما الأمومة فأصل.
ولهذا فإن المجتمع الذي يحرص على بقاء دور الأم حيًا، ويحمي الأسرة من ذوبان أدوارها، إنما يحمي مستقبله قبل حاضره.
فالقيم لا تنتقل بالكتب وحدها، ولا بالأوامر المجردة، وإنما تنتقل بالمعايشة، وبالاحتواء، وبالقدوة، وبالحب غير المشروط الذي لا يعرفه الإنسان كما يعرفه في أسرته.
ولذلك ليس السؤال الحقيقي: ما الذي أستطيع أن أستبدله؟ ولا: ما الذي أستطيع أن أفوضه؟ بل السؤال الأعمق: ما الذي إذا غاب، غابت معه الحكمة التي لا يؤديها غيره؟
ومن عرف جواب هذا السؤال، أدرك أن الله حين شرع البدائل إنما شرعها رحمة بعباده، وحين أباح التفويض في بعض شؤون الحياة، لم يجعله طريقًا إلى إلغاء الأصول أو إضعافها، فالمرونة لم تكن يومًا على حساب المبادئ، وإنما كانت وسيلة لحفظها، وتيسيرًا لتحقيقها.
وتلك سُنة الحياة، وهدي الشريعة، وحكمة الفطرة… أن البدائل نعمة في الوسائل، وأن التفويض حكمة في المهام، أما الأصول فلا تُفوَّض… ولا تُستبدل.
وليس الحديث هنا عن الأم وحدها، بل عن كل أصلٍ خلقه الله ليبقى أصلًا، فكما لا تُفوَّض الأمومة، لا تُستبدل القيم، ولا يُساوَم على الدين، ولا يُقام البديل مقام الثوابت التي تحفظ للإنسان إنسانيته.
مقالات سابقة للكاتب