شهد قطاع التعليم في المملكة العربية السعودية نقلةً نوعية وتطورا وتحولاً جذرياً. هذا التحول لم يعد مجرد خطط تطويرية تقليدية، بل أصبح ركيزة أساسية تدعمها قيادة المملكة المباركة من خلال برنامج تنمية القدرات البشرية، وهو أحد برامج رؤية السعودية 2030، ويهدف هذا البرنامج إلى إعداد مواطن منافس فكريا ،علميا ومهنيا وبناء اقتصاد قوي قائم على المعرفة لقاعات البحث العلمي والمعامل العلمية.
طالعت مقالاً للأخ خالد الباتلي بعنوان “اختطف الأكاديميون التعليم العام، فمن يعيده إلى أهله؟” وركز على الاستفادة من الخبرات النظرية والعملية العاملة في الميدان الأعرف ببواطن الأمور.
ومقالا بعنوان هل حقَّاً التعليم العام مُخْتَطَف؟ للأخ اللواء الركن م. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود، ركز على ضرورة تأسيس مركز وطني خاص بأبحاث تطوير التعليم وكل مايتعلق به.
ولكن قبل كان من قبلهما وجدت مقالا منشورا بجريدة المدينة للأستاذ الكاتب أسامة عجلان الحازمي، وهو كاتب معروف ومشهور بجريدة المدينة وأحد أعمدة التدريب في الكليات التقنية الذين زاملتهم بتقنية جدة ،وكان هذا المقال قد نشر في 14/12/2014م بعنوان لتربطوا التعليم بسوق العمل. مضمون هذا المقال التركيز على الشباب السعودي الذي يمثل 60% من المواطنين، وأنه بات من الضرورة التركيز على رفع مستوى مهاراتهم وفتح السوق أمامهم ودعمهم وأن القوة في الدولة قبل كل شيء هم المورد البشري المؤهل.
وبناء على ما تقدم من طرح ونقاش ورؤى ثاقبة من الكتاب الثلاثة، رأيت أنه من الواجب عليّ أن أسهم بما يكمل المثلث لتكتمل الفكرة، وتتكامل الأفكار، وخصوصا أنني ربما اختلف عن الزملاء من حيث إنني مارست العمل الإداري ما يقارب ثماني سنوات في وزارة البرق والبريد والهاتف سابقا، ثم انتقلت الى المؤسسة العامة للتدريب المهني والتقني وعملت فيها محاضرا فترة طويلة، وتنقلت إلى رئيس قسم، ثم وكيل كلية، وعميد مكلف في فترات معينة، وترأست إدارة المدرسة السعودية في المملكة المتحدة 2024م اثناء الدراسة للدكتوراه [للمراحل الدراسية كافة بنين وبنات] ،ثم انتقلت للتدريس في الجامعات السعودية متعاونا، والتحقت بهيئة تقويم التعليم والتدريب من عام2016م إلى الآن… وشاركت في تقييم أكثر من مئة مدرسة تقريبا (مركز تميز)، واعتمدت كأخصائي تقويم للتدريب التقني والمهني(مركزمسار)،وكذلك مشرف جودة في (مركز قياس،) إضافة إلى مشاركتي في تأسيس جمعية تأهيل وتطوير الكوادر الوطنية التي تتخذ حاليا مقرا لها بالعاصمة الرياض، إضافة إلى تأليف العديد من الحقائب التدريبية، والإشراف على أكثر من خمسين حقيبة تدريبية في الفترة من 2024-2026م ولازلت…. وكتبت في عام 2017م عشرة مقالات بعنوان التعليم وأثره على التنمية الشاملة(1-10) وهي منشورة على مدونتي( https://drhamadalbishry.wordpress.com
)ومنصة اكس.@abonabeel2
طبعا هذا السرد ليس استعراضياً وليسامحني القارئ الكريم،ولكن حتى أعطي فكرة للعلاقة الوثيقة بين العلم والخبرة في المجال المعني الذي أتحدث عنه، وأبدي رأيي فيه.
بادئ ذي بدء نضع في حسباننا أننا أمة (اقرأ)، قال تعالى:(ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡعَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5) سورة العلق ):
فمن المفيد هنا أن نلقي نظرة سريعة على أهم إستراتيجيات ومبادرات تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية بمختلف قطاعاته حيث إن هذا الأمر نتوقع أنه معروف لدى الجميع او على الأقل متخذي القرار المعنيين :
مرور التعليم بعدة مراحل وتحولات من التلقين إلى التمكين: قصة التحول التاريخي للتعليم في السعودية وكلف ذلك أن ضخت الدولة استثمارات هائلة لتمكين التعليم
أولاً: التعليم العام (تأسيس الجيل والتحول الرقمي)
يمثل التعليم العام اللبنة الأولى في بناء شخصية الطالب(بنين وبنات)، وقد نال النصيب الأكبر من إعادة الهيكلة والتطوير. عبر مسارات متعددة ونظام فصول متنوع:
* نظام الفصول الدراسية الثلاثة ( في السابق فصلين دراسيين)
ثانياً: التعليم الجامعي
يتصف التعليم الجامعي بالاستقلالية، التنافسية، والبحث العلمي.
وتتجلى ملامح تطوير هذا التعليم في:
* نظام الجامعات الجديد: منح هذا النظام الجامعات استقلالية شبه كاملة (أكاديمياً، وإدارياً، ومالياً)، مما يتيح لها تطوير مواردها الذاتية ومناهجها بما يتوافق مع الاحتياج الفعلي للمناطق وسوق العمل.
* التواجد في التصنيفات العالمية: قفزت الجامعات السعودية قفزات هائلة في تصنيفات “شنغهاي” و”QS” العالمية، مع استهداف حثيث لوضع جامعات سعودية ضمن قائمة أفضل الجامعات.
* المواءمة الرقمية والذكاء الاصطناعي: شهد التعليم الجامعي تدشين مبادرات كبرى كـ “ائتلاف الجامعات للتعليم الرقمي”، وإطلاق شهادات احترافية مثل “التدريس المعزز بالذكاء الاصطناعي (AAT)” لتمكين الكوادر الأكاديمية من أدوات المستقبل.
* التركيز على البحث والتطوير والابتكار (RDI): جرى ربط الأبحاث الجامعية بالتطبيقات التجارية والصناعية عبر مكاتب نقل التكنولوجيا وحاضنات الأعمال لدعم الاقتصاد الوطني وتوطين الصناعات.
ثالثاً: التعليم والتدريب التقني والمهني (تأهيل سواعد الوطن)
تقوم المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بدور حيوي ومحوري في سد الفجوة المهنية بالمملكة وتلبية متطلبات المشاريع العملاقة (مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر وغيرها ) إضافة إلى تلبية كافة الإنشاءات والمجالات المتوسطة والصغيرة. وأبرز ركائز هذا التطوير تشمل:
*كليات التقنية والمعاهد التقنية الحكومية والخاصة.
يبلغ العدد الإجمالي للكليات التقنية التابعة لـ المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني بالمملكة أكثر من 116 كلية تقنية ) أكثر من 77 كلية تقنية. بنين، 39 كلية تقنية. بنات.
*بلغ إجمالي عدد المعاهد في السعودية أكثر من 2,173 معهداً، وتتوزع بين القطاعين الحكومي والخاص على النحو التالي:
• معاهد التدريب الأهلية: يبلغ عددها 2,078 معهداً.
• معاهد التدريب التقني والمهني الحكومية: يبلغ عددها 95 معهداً.
*إلى جانب هذه المعاهد التقنية والمهنية، يوجد في المملكة أنواع أخرى من المعاهد المتخصصة مثل:
• المعاهد العلمية: وتتبع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ويبلغ عددها نحو 60 معهداً.
• معاهد الشراكات الإستراتيجية: التابعة لصندوق تنمية الموارد البشرية.
* كليات التميز والشراكات الإستراتيجية: إلى جانب الكلياتا لتقنية والمعاهد التقنية والمهنية ، تعمل المؤسسة على تشغيل أكثر من 30 كلية تقنية عالمية موزعة في مختلف مدن المملكة، تدار بالتعاون مع مشغلين دوليين، وربط التخصصات بالشركات الكبرى (مثل أرامكو، وسابك، والقدية…) لضمان التوظيف المباشر للخريجين.
* التوسع في برامج التدريب والتوطين: زيادة معدلات الالتحاق بالتعليم المهني، وتحسين نظرة المجتمع نحو الأعمال المهنية، مما أسهم في رفع نسب توطين الوظائف ذات المهارات العالية.
* المرونة في الشهادات الاحترافية: أصبح بإمكان المتدربين الحصول على شهادات مهنية دولية معتمدة جنباً إلى جنب مع مؤهلهم الأكاديمي، الأمر الذي يمنحهم ميزة تنافسية بعد تخرجهم.
* التكامل والربط بسوق العمل (منظومة موحدة)
إن القوة الحقيقية لتطوير التعليم في السعودية تكمن في التكامل وهنا مربط الفرس. فلم يعد كل قطاع يعمل بمعزل عن الآخر؛ حيث تم تأسيس هيئة تقويم التعليم والتدريب بشكلها الحالي عام 1438هـ – 2016م، وصدر تنظيمها بمسماها الحالي عام 1440هـ، وهي امتداد لهيئة تقويم التعليم العام التي أُنشئت في عام 1434هـ -2013م):
وقد أنشئت هيئة تقويم التعليم والتدريب: كجهة مستقلة لضمان الجودة، تقيس نواتج التعلم، وتمنح الاعتمادات الأكاديمية للمدارس والجامعات والبرامج التدريبية في جميع القطاعات التعليمية والأكاديمية والمهنية والتقنية ولدى الهيئة مركز البحوث للتقويم والقياس والاعتماد يُعنى بالتقويم والقياس والاعتماد، وتقديم دراسات وبيانات تدعم جودة التعليم والتدريب وعلاقتهما بالاقتصاد والتنمية.
من خلال ما سبق استعراضه وحتى نكون واقعيين ،يلاحظ المراقب الحصيف أن لدينا العديد من الأدوات الممتازة، ولكن ليست مترابطة بشكل ممتاز أو على الأقل نحتاج نوعا من توسيع الاستفادة من أدواتنا. ونجد أنه ليس هناك مفر من أن نستفيد من تجارب كل الدول التي سبقتنا ونستفيد من التجارب والمحاولات التي قمنا بها ونرى ضرورة الاهتمام بالتعليم والتدريب مستوياته كافة ونقترح :أن يكون ذلك من خلال:
إنشاء مركز متخصص لتطوير التعليم النظري والتطبيقي، وآلية عمله تكون وفق ما سيتم إيضاحه، باختصار في الجزء التالي من المقال.
الجميع يعلم أن الدولة رعاها الله قد أسست معهدا لأبحاث الحج الأمر الذي أدى إلى حل معظم المشكلات التي تواجهنا بل والتطوير المستمر في كل المجالات الإدارية والتنظيمية والرقابية والانشائية…ذات العلاقة بالحج بسبب وجود هذا المعهد.
وبما أننا لدينا نسبة بطالة، وإن كانت ليست مخيفة ولكن بإمكاننا أن نتغلب عليها من خلال تركيزنا على التعليم والتدريب التقني والمهني؛ لنواكب سوق العمل ومستجداته المتسارعة، لذا ومن منظور تنموي واقتصادي، فإن أحد أكبر الأخطاء في معالجة البطالة هو التركيز على الباحث عن العمل فقط، بينما الجزء الأكبر من الحل يكمن في إعادة تصميم سوق العمل نفسه؛ كي يصبح جاذبا وليس طاردا، هناك فرص اقتصادية ضخمة ما زالت غير مستغلة بالشكل الكافي، ويمكن أن تخلق عشرات الآلاف من الوظائف، وتخفض الإنفاق، وترفع الناتج المحلي في الوقت نفسه.والتعليم وجد لكي يرفع مستوى الوعي وتقنيات العمل وتطوير الذات واكتشاف المواهب من أجل الاستحواذ على نسبة كبيرة من عرش الإبداع والاختراع والصناعات المتنوعة أيضا.
(@HRSD_SA- @FahadPrimeX)
وعندما ننظر للمراكز المتخصصة وبالذات مانقصده في مقالنا هذا بشأن تطوير التعليم نجد أن الأدوات تقريبا موجودة لدينا في معظمها إن لم يكن كلها. فنرى أن :
الاستفادة من خبرات الميدان المتميزة في مجال التعليم العام والخبرات الأكاديمية والخبرات في مجال التعليم، وهيئة تقويم التعليم والتدريب من خلال مركز البحوث لديها، وكذلك المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني .وهذا شيء مهم جدا حيث يكون نسبة من هذه الشريحة تساهم في هذا التطوير المنشود ولكن شرط أساسي أن تكون الشخصيات ذات مواصفات منتجة وجودة وفاعلية في الطرح والتحليل والنظرة. نعلم أنه ربما لدى التعليم العالي والعام والتقني حكومي وخاص العديد من المراكز او اللجان التي تعنى بالتطوير الحالي والمستقبلي ولكن العمل المنفرد مهما أبدع صاحبه يظل قاصرا عن تحقيق الهدف المنشود بدرجة عالية في الإنجاز المتميز .مشاركة أولياء الأمور والطلاب قد تكون من خلال استطلاع آرائهم بالاستبانات والمقابلات ولكن لابد أن تكون بنسبة قليلة لأننا ندرك أن معظمهم ينظرون بعاطفة وليس لديهم نظرة كاملة وشاملة ولكن مهم سماع آراء شريحة تمثلهم خير تمثيل للاستئناس بها في اتخاذ القرار أخيرا:علينا أن نضع آلية لهذا المركز يتم من خلالها مراجعة مخرجاته وسياساته بصفة سنوية، ويقيم كل خمس سنوات على أساس تحقيق النتائج وقياس الأثر لمخرجاته.
بالطبع من المهم جدا أن يتم إنشاء نظام وطني للتنبؤ بالوظائف المستقبلية بأنواعها كافة وإذا كان لدينا بطالة، وتم التصدي لها فنحن سنصل بإذن الله إلى فائض في المخرجات مستقبلا من شبابنا وربما نصبح وحتما سيكون ذلك مستقبلا وهو إننا مصدرون لليد العاملة الماهرة المتميزة التي تمثل لك عملة صعبة( مثلما نرى من خبراء أجانب لدينا من الدول المتقدمة الأوروبية والإفريقية والآسيوية وتكون متميزة في الأداء ومتميزة في الدخل بناء على تأهيلها العالي جدا؛ لذلك بدل معالجة البطالة بعد وقوعها نتيجة مخرجات تعليمية لم تأخذ في الحسبان ذلك، فعلينا وجوب التوقع للمهن المطلوبة خلال السنوات القادمة وتوجيه التدريب والاستثمار إليها مبكرًا. كما يجب ربط قواعد بيانات التعليم والتوظيف والتدريب والاستثمار في منصة وطنية موحدة تسمح بصنع القرار بناءً على بيانات حقيقية وليست تقديرات فقط.
كل ما سبق يجب أن يعمل في بوتقة واحدة وليس في برج عاجي كل على حده، بل يبنى قرار التطوير بعد البناء من خلال المعطيات والمصادر التي أشرنا إليها آنفا.
ولا يفوتني هنا التأكيد والإشادة على الدعم من قيادتنا الحكيمة من مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود يحفظه الله، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود يحفظه الله، عراب رؤية 2030 . أجزمأنهم لن يتوانوا عن دعم أي مشروع تعليمي وأظن ذلك الحماس لدى الإخوة المسؤولين في وزارة التعليم، وعلى رأسهم معالى الوزير الأستاذ يوسف بن عبد الله البنيان، وفقهم الله وسددهم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن لديهم الاستعداد التام ومد أيديهم للجميع وترحيبهم بكل من لديه اهتمام بتطوير التعليم في بلادنا.
فعلينا أن نشد الهمة جميعا، ونجتهد كل من موقعه كي نحقق نظاما تعليميا متميزا في أدائه ومخرجاته كي نصنع الفارق الإيجابي من خلال إيجاد حلول علمية وعملية ذات كفاءة وفعالية لمواجهة التحديات التي تعترض مسار سياسة التعليم العام والجامعي والتقني والمهني في كل القطاعات في بلادنا الحبيبة المملكة العربية السعودية، حتى نتجاوز كثير من دول العالم المتصدرة والمتقدمة اليوم في مجال التعليم.
ونتذكر أن العلم دائما مفتاح تطور الأمم والشعوب..
مقالات سابقة للكاتب