خليص في التاريخ المنسي ( ٥٩ )

قراءة في الذاكرة

ما إن نشير إلى معلومة عن خليص حتى نبادر بذكر تاريخها؛ ذلك أن الحدث والمكان والزمان يشكلون مثلثًا لا تنفصل أضلاعه في قراءة التاريخ. ومن هذا المنطلق، تكشف مشاهدات الرحالة في بداية القرن التاسع عشر الميلادي (بداية القرن الثالث عشر الهجري) عن جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ لم تكن أسواق المدن مجرد فضاء للتبادل التجاري. ومن بين تلك الشواهد ما سجله لويس بوركهارت، الذي وصل إلى جدة في 15 يوليو 1814م، الموافق 28 رجب 1229هـ، حيث أشار إلى وجود الليمون والبرتقال والموز والعجوة في أسواق جدة، وأنها منتجات ترد من خليص، وهو ما يعكس ازدهار زراعة الفاكهة فيها، ودورها في تموين أسواق جدة بالمنتجات الزراعية.

النص:

“هناك ثماني عشرة منصة لبيع الفاكهة والخضار، وقد زاد عددها عما كان من قبل بسبب قدوم الجيوش التركية التي تلتهم الخضار التهامًا. وجميع الثمار يُؤتى بها من الطائف الواقعة وراء مكة، وهي غنية بالبساتين. وفي تموز (يوليو) وجدت هنا عنبًا من أفضل الأنواع، متوفرًا بكثرة في الجبال الواقعة وراء مكة، ورمانًا متوسط النوعية، وسفرجلًا غير حاد الطعم كالسفرجل الأوروبي يؤكل فَجًّا، ودراقًا، وليمونًا حامضًا، إلا أنه صغير الحجم كالليمون الحامض الموجود في القاهرة، وبرتقالًا مُرَّ الطعم، وموزًا، مع أنه لا يُنتج في الطائف، لكنه يُجلب بالدرجة الأولى عن طريق المدينة من الصفراء وخليص.”

“كذلك في جدة ثمانية باعة للتمور، وهي أحب إلى العرب من أي مادة غذائية أخرى، ولديهم تقاليد كثيرة تعود إلى الرسول ﷺ تُبين تفضيل التمور على سائر الأطعمة. وطوال السنة لا ينقطع استيراد التمور، وفي الأشهر الباقية من السنة تكون على شكل (عجوة)، وهي تُصنع بكبس التمور بعد نضجها جيدًا في قفف كبيرة، حتى تتحول إلى كتلة أو قرص صلب. وتزن القفة الواحدة نحو مئة كيلوغرام. كذلك يُصدر البدو هذه العجوة، وفي السوق تُقطع من القفة وتباع بالوزن. وتشكل العجوة جزءًا من الطعام اليومي لجميع طبقات الناس، وأثناء السفر تُحل بالماء فتكون شرابًا عذبًا ومنعشًا. وللعجوة أكثر من اثني عشر نوعًا، أفضلها يُؤتى به من تربة بعد الطائف، إلا أن النوع الأكثر شيوعًا في السوق آنذاك هو النوع المجلوب من وادي فاطمة، ومن أفضل أنواعه ما يُجلب من خليص.”

المصدر:

قافلة الحبر: الرحالة الغربيون إلى الجزيرة العربية والخليج (1762–1950م)، إعداد: سمير عطا الله، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1994م، ص (119، 136، 137).

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *