… ومات أبو غسان!!
رفيق الدرب التعليمي…
وجار السكن والمسجد القريب
(1)
بعد ليلة أسرية عاصفة (مساء الخميس، ليلة الجمعة 2-3/2/1448هـ)، لم تنم عيني، وشُلَّ تفكيري، وضاعت البوصلة. كنت أتقلب على جمر الفَضَى: «وأتقلَّب!!»، حتى سمعت الأذان، فاستعنت بالله، ونِعم المعين.
وفي المسجد، فاجأني الزميل جمال حفني، مؤذن المسجد، بالخبر الأليم: وفاة الجار الأستاذ عبداللطيف العلاوي (أبو غسان). لم أتمالك نفسي من الصدمة؛ فمنذ البارحة، ليلة الخميس 2/2/1448هـ، ونحن عائدون من مكة المكرمة والحرم المكي مع جاريَّ أبي معاذ (مصطفى عبدالفتاح) وأبي عبدالإله (سالم باكلكا)، كنا نتذكر الجيران الذين توفاهم الله؛ العم حامد الشريف (يرحمه الله)، والعم سند آل فرهود (يرحمه الله)، وغيرهما، ثم وصلنا إلى ذكر الجار عبداللطيف العلاوي، الذي كان يرقد في مرضه الأخير، فدعونا له بالشفاء وحسن الختام.
وما هي إلا سويعات، وكأننا على موعد مع القدر الرباني؛ فما إن جاءت صلاة الفجر حتى انتشر خبر الوفاة برسالة من أبنائه إلى مجتمع الحي ومجتمع مسجد النقاء، مفادها أن الجار العزيز أبو غسان، عبداللطيف العلاوي، قد انتقل إلى رحمة الله.
ولم أتمالك نفسي وأنا أسمع الخبر، فرحت فيما يشبه الغيبوبة ألماً وحسرةً وتذكراً وقشعريرة. وبين مصدِّق ومتوجس، كنت أُحوقل وأسترجع وأبكي حزناً على الفراق الأبدي؛ فقد كان ملء الذاكرة في مسجدنا، مسجد النقاء، صلاةً واجتماعاً وتحاوراً. كان من أهل الصف الأول، وكان حريصاً على المشي إلى المسجد في جميع الأوقات، طلباً للمغفرة والرحمة، بكثرة الخطوات والذكر والتسبيح والدعوات.
(2)
عرفت الأخ عبداللطيف منذ العام 1396/1397هـ، عندما عُيِّنت معلماً في مدرسة الحديبية المتوسطة بجدة، وكان مراقباً أو إدارياً في مدرسة حراء المتوسطة. هناك جمعتنا مهنة التعليم، وبدأت الصداقة، ثم تفرقت بنا السبل، وتغيرت الأماكن، وتباينت الأزمنة، حتى التقينا مرة أخرى بعد عمر طويل، تقريباً في العام 1418هـ أو 1420هـ، عندما سكنت في منزلي الجديد بحي النعيم، وكنت أصلي في مسجد النقاء. وهناك وجدت عبداللطيف، فإذا به يسكن بجواري في القطعة نفسها والمربع نفسه؛ فهو على شارع خلفي، وأنا على الشارع الرئيس، لكن الطريق إلى المسجد كان يجمعنا، وتدور فيه الأحاديث والذكريات.
كان مدير مدرستي الحديبية الأستاذ سعيد العبيدي (يرحمه الله)، ومدير مدرسته حراء الأستاذ صالح العبيسي (شفاه الله). وذات يوم تذكرنا تلك الذكريات، فقررنا زيارة الشيخ العبيسي في منزله بحي السلامة. وفعلاً، صلينا المغرب في المسجد الذي يصلي فيه، ثم سلمنا عليه، واستضافنا في داره القريبة. وكان لقاءً تعليمياً وتربوياً أعادنا بذكرياته إلى الزمن الجميل.
(3)
وطوال فترة الجيرة المباركة، كان الأخ عبداللطيف اجتماعياً، يُزار في بيته، فنجد الكرم والضيافة وحسن الخلق. وكان يشاركنا زيارة جيران الحي في لقاءاتنا التفقدية والأخوية بين المغرب والعشاء كل يوم ثلاثاء، ويجتمع معنا في مجلس المسجد، فيدلي بدلوه برأي حصيف ومقنع، كما كان يحضر مجلس الحي بهدوئه المعروف وابتسامته الراضية، حتى أقعده المرض، وغاب عن المسجد بعد أن اشتدت عليه الأمراض، ولا سيما مرض الزهايمر، خلال النصف الثاني من العام المنصرم 1447هـ.
وكان، رحمه الله، قريباً إلى قلبي بحكم إنسانيته وطيبته وتدينه. وكلما زرت العُلا تذكرته، وذكَّرت به الزملاء العلاويين في تلك البلاد التي أنعم الله عليها بأهل كرام، عُرفوا بالطيبة والإنسانية، وقد كتبت عنهم كتاباً سيصدر قريباً، إن شاء الله، بعنوان: «رحلاتي إلى أرض العُلا… عروس الجبال ومهد الحضارات: مشاهد وانطباعات». وكلما ذكرت أبا غسان، عبداللطيف العلاوي، ذكروه بالخير، وأثنوا على طيبته وأخلاقه… والناس شهداء الله في أرضه.
وقبل فترة طويلة، توفي أخوه موسى العلاوي، وكان جاراً لنا ورفيقاً في الحي والمسجد، رحمه الله. توفي في المدينة المنورة، ودُفن في البقيع، وكلما جاءت سيرته في المسجد ذُكر بالخير، وبالأعمال الخيرية الكثيرة التي كان يقوم بها سراً ابتغاء ما عند الله. وكان لوفاته قصة تُذكر، ومنها تؤخذ العبر؛ إذ توفي أخوهم الأكبر في المدينة المنورة، فذهب الأخوان موسى وعبداللطيف للمشاركة في الصلاة عليه ودفنه. وكان موسى صحيحاً معافى لا يشكو من مرض، لكنه في مقبرة البقيع شعر بدوار وصداع، فحُمل إلى المنزل، وفي أثناء مراسم العزاء سقط ميتاً، فدُفن بجوار أخيه في البقيع.
وهنا تذكرنا لطف الله بهذا الإنسان، إذ اختار له أن يموت في مدينة رسول الله ﷺ، وأن يُدفن في مقبرة البقيع التي تضم أصحاب رسول الله ﷺ والرعيل الأول من المسلمين.
وكان الأخ عبداللطيف كثير التأثر كلما ذُكرت هذه القصة، ويقول: رحم الله الأخوين وأسكنهما فسيح الجنان.
(4)
رحم الله أخانا عبداللطيف وأسكنه فسيح الجنات. وفي عصر يوم الجمعة 3/2/1448هـ، كانت الصلاة عليه في جامع الثنيان بجدة. ذهبت مبكراً لألحق بالجنازة قبل الصلاة، فوجدت ابنيه غسان ومحمد، وأحد الأحفاد، فسلمت عليهم، وطلبت إلقاء السلام على الفقيد قبل إغلاق أبواب ثلاجات الجنائز، فسمحوا لي.
رأيت وجهاً هادئاً مطمئناً يبشر بالخير، فبكيت وكأنه أحد أهلي؛ فالموت حق، وكلنا إليه سائرون. دعوت له بالرحمة والمغفرة والفردوس الأعلى، ثم اتجهت إلى أبنائه، وصبرتهم، وقلت لهم: أكثروا من الاسترجاع والحوقلة والدعاء والصبر. وكانوا، ما شاء الله، متماسكين غير جزعين؛ بكاؤهم صمت، ولسانهم ذكر ودعاء.
وقلت في نفسي: ما مات من خلَّف، فإني أرى في محمد وغسان ابنيَّ سلطان وريان، فدعوت لهما بالثبات والصبر وحسن العزاء.
وبعد الصلاة في جامع الثنيان، شاركت في الدفن بمقبرة الصالحية، حيث وجدت الجيران وأهله وجماعته وكثيراً من المعارف، وكلهم شهداء الله على صلاح هذا الإنسان، نحسبه كذلك، والله حسيبه.
وبجوار مسجد النقاء، كان مجلس العزاء المبارك، بحضور ومشاركة خلق كثير، توافدوا من الرياض والمدينة ومكة والعُلا، وكلهم يتضرعون إلى الله بالدعاء والرحمة والمغفرة لفقيدنا، فقيد حي النعيم ومسجد النقاء.
وهناك، في مجلس العزاء، قابلت الابن محمد، وقلت له: هنا كان أبوك يصلي، وهنا كان يقرأ القرآن، وهنا كنا نجتمع ونتذاكر. وأوصيته ألا ينقطع عن المسجد، وأن يملأ مكان والده، رحمه الله، كلما سنحت له الفرصة.
رحم الله أبا غسان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(5)
ولمعرفتي بأحد محبيه من مدينة العُلا، وهو الأستاذ إبراهيم بن عبدالله القاضي، المدير السابق لتعليم العُلا، أرسلت إليه خبر الوفاة، فرد قائلاً:
إنا لله وإنا إليه راجعون. لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهمنا وأهله وذويه الصبر والسلوان. عظَّم الله أجركم، وأحسن عزاءكم في وفاة جاركم وأخينا أبي غسان، وتعازينا لأسرته وأولاده ومحبيه. وكان بودي لو كنت في السعودية لأقوم بواجب العزاء، ولكني حالياً في أمريكا لزيارة الأبناء، والحمد لله على كل حال.
الجمعة 17 يوليو 2026م (وليس 2029م إذا كان التاريخ موافقاً لـ 1448هـ).
وأخيراً، لجماعتنا في مسجد النقاء، ولجيران الفقيد، نقول: أحسن الله عزاءنا جميعاً، وجعل فقيدنا من أهل الفردوس الأعلى، وأنزل على ذويه وأولاده وجماعته الصبر والسلوان، ولا أراهم مكروهاً.
وإليهم هذه الأبيات:
الموتُ حقٌّ علينا قد عرفناهُ
في كل حينٍ ينادينا فنلقاهُ
يختارُ منا كرامَ الناسِ منزلةً
وما جزعنا لأنَّ اللهَ مولاهُ
رحم الله أخانا عبداللطيف، وأسكنه فسيح الجنان.
والحمد لله رب العالمين.
مقالات سابقة للكاتب