يمكن للإنسان أن يُخفي شيب رأسه كما يشاء؛ يصبغ شعره، ويشدّ ملامحه، ويُحسِّن هندامَه، ويحاول أن يُقنع الناس بأن الزمن لم يمرّ عليه إلا مرور الغريب.
غير أن الزمن لا يكتفي بكتابة تاريخه على الجباه، بل يترك توقيعه الأعمق في موضعٍ لا تصل إليه المرايا حين يبلغ الروح.
فثمّة شَيبٌ لا يُرى بالعين، بل يُدرك بالبصيرة. وهذا الشَّيّب يسكن الإرادة؛ فيجعل الخطوة أثقل، والحلم أصغر، والدهشة أقل، والرجاء أكثر تردداً، ويغدو ضوء الأمل خافتاً.
ذلك هو الشيب الحقيقي؛ لأن الإنسان لا يهرم حين يتجعّد وجهه، بل حين تتجعّد همّته، وتتقادم عزيمته.
إن الروح التي تفقد قدرتها على التطلُّع ليست روحاً شاخت نتيجة توالي السنين، وإنما شاخت بالاستسلام. فالعمر البيولوجي لا يملك سلطةً مطلقة على الإنسان، وإلا لما رأينا شيوخاً يحملون من الحماسة ما تعجز عنه صدور الشباب، ولا شباباً يمشون بأجساد فَتيّة، بينما أرواحهم أنهكتها الهزائم حتى غدت كالأطلال.
ولعل أخطر ما في شيب الروح أنه لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلل في هيئة الحكمة أحياناً، وفي صورة الواقعية أحياناً أخرى؛ فيبدأ الإنسان بالتنازل عن حلمٍ صغير، ثم عن شغفٍ قديم، ثم عن فضول السؤال، ثم يعتاد أن يقول: فات الأوان. فالإنسان يعيش بما بقي فيه من قابلية للبدء، وليس بما بقي له من سنوات.
إن القدرة على البداية هي الشباب الحقيقي، حتى وإن انحنى الظهر، بينما العجز عن البداية هو الشيخوخة الحقيقية، ولو كان الجسد في مقتبل العمر.
ومن هنا، فإن الهمّة ليست طاقةً عضلية، بل موقفٌ وجودي. إنها إعلانٌ داخلي بأن الإنسان لم يسلّم مفاتيح حياته للزمن.
فالسنوات تزيد الرقم، لكنها لا تملك أن تُنقص المعنى إلا إذا أذن لها صاحبها؛ لذلك نجد من بلغ الثمانين وهو يزرع فكرةً جديدة، ويؤلف كتاباً، ويتعلَّم لغة، ويمنح الحب والجمال لمن حوله، ويؤمن بأن الغد ما زال يحمل وعداً، ونجد في المقابل من لم يتجاوز الثلاثين وقد أغلق نوافذ المستقبل، مكتفياً بالعيش على ذكريات لم يمض عليها سوى أعوام قليلة.
إن ضعف الروح ليس في التعب، فكل روح تتعب، وإنما في الرضا بالتعب بوصفه قدراً نهائياً. كما أن ضعف الروح ليس في كثرة الخيبات، فالحياة لا تخلو منها، وإنما في الإيمان بأن الخيبة هي الحقيقة الوحيدة الممكنة، وأن الحياة -في مجملها- تُعَاش على فرضية فنّ الممكن، فالروح تموت أولاً حين تتوقف عن احتمال الأمل، والاقتناع بمحدودية الخيارات، وتعدد الصعوبات.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن للإنسان أن يحافظ عليه ليس نضارة وجهه، بل نضارة قلبه، وألّا يحافظ فقط على سواد شعره، بل على بياض نيّته، وبهجة حضوره، وبهاء شعوره، وألّا يحرص فقط على قوة جسده، بل على قوة توقه إلى المعنى.
إن الإنسان -بالتأكيد- مع تقدم العمر تشيخ ملامحه، لكن يمكنه المحافظة على خفة روحه ورشاقة أحلامه. فالشيخوخة ليست أن يمرّ الزمن بك، بل أن يتوقف المستقبل داخلك. فمن بقي يحمل في قلبه سؤالاً، وفي عقله فكرة، وفي جوارحه خيراً، وفي روحه أملاً؛ فهو لم يهرم بعد مهما أثقل الشيب رأسه، وكسا عوارضه. أما من فقد القدرة على الحلم، والعمل على تحقيق شغفه؛ فقد بلغ أرذل العمر، حتى لو كان وجهه ما يزال يحمل ملامح نضارة الشباب وحيويته.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي