يحكى أن رجلًا كان يملك صقرًا يحبه حبًّا شديدًا، فخاف عليه من تعب الطيران، ومن شوك البراري، ومن جراح المعارك؛ فحبسه في قفصٍ مُذهَّب، يطعمه بيده، ويسقيه بعطفه، ويظن أنه يحميه من قسوة الدنيا. ونسي – أو تناسى – أن الصقر خُلق ليكون حرًّا، يضرب بجناحيه في علو السماء، ويعرف أن الريح ليست عدوًّا له، بل معلِّمًا. يفترس فريسته، وتُجرح مخالبه، ويجد في الظفر بها طعمًا ولذة.
كبر الصقر… بلا جراح، وبلا خوف، وبلا تجربة.
كبر كما تكبر الزهور في البيوت؛ جميلةً، لكنها لا تعرف كيف تواجه الشمس.
وحين فتح له صاحبه باب القفص، ليرى تحليقه، وينعم بقوته، ويستفيد من نتاجه؛ تفاجأ بأن صقره لم يُحلِّق، ولم يرفرف، ولم يعرف السماء، بل سقط على الأرض، ومشى خلف صاحبه كطيرٍ أليف يبحث عن لقمةٍ جاهزة.
لم تكن تلك حكاية صقرٍ لم يُدرَّب، بل حكاية بعض الأسر التي لم تُدرِّب أبناءها على المسؤولية، والاستقلال، وخوض معترك الحياة بحلوها ومرِّها.
بيوتٌ تُربّي أبناءها على الوسادة لا على الريادة، وعلى النعومة لا على الصلابة، وعلى التلقّي لا على السعي. ترفع عنهم كل حجرٍ قد يتعثرون به، وتمهِّد لهم كل طريقٍ قد يعوقهم، وتتحمل عنهم المسؤوليات، وتحل لهم المشكلات التي تواجههم، ثم تندهش حين يعجز أبناؤها وبناتها عن مواجهة الحياة وتحدياتها.
بين زمن الأجداد وزمن الأبناء… مسافة من الهمة والإنتاج
كان أجدادنا يربون أبناءهم على قسوة الحياة، والشجاعة، والتحمل، والصبر، والمسؤولية، وعلى الأخذ والعطاء.
كان الشاب يلازم أباه في مزرعته، أو متجره، أو ورشته، ويرافقه إلى السوق، فيتعلم البيع والشراء، ويعرف قيمة الريال، ويذوق طعم الكد والتعب.
وكانت الفتاة تساعد أمها في البيت، فتتعلم مهارات الطبخ والترتيب، وتتدرب على الصبر، وتدرك أن المسؤولية ليست عبئًا، بل شرفًا.
لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت معلِّمًا صادقًا، ولم يكن البيت فندقًا، بل ورشةً تُصنع فيها الشخصيات.
ثم، مع كثرة الموارد، وتدفق النعم، واتساع أسباب الرفاهية، أصبح كثير من الشباب يعيش في عالمٍ تتوفر فيه كل الأشياء:
طعامٌ يصل إليه قبل أن يجوع.
وحلولٌ تُقدَّم له قبل أن يفكر.
وأبوابٌ تُفتح له قبل أن يطرقها.
فكيف نطالبه بعد ذلك بالريادة، وتحمل المسؤولية، وحل المشكلات؟
الحماية الزائدة… حبٌّ قد يجرح
يظن بعض الآباء أنهم يحبون أبناءهم حين يحملون عنهم كل شيء، لكن الحقيقة أنهم يقصّون أجنحتهم من حيث لا يشعرون.
فالشاب الذي لم يتعب لن يعرف كيف يصمد، والذي لم يجرّب لن يعرف كيف يختار، والذي لم يسقط لن يعرف كيف ينهض.
الدنيا ليست حضنًا ناعمًا، بل ساحة حياة، ومن تعوّد أن يكون مستهلكًا كسولًا في بيته، سيتعثر عند أول عقبة في الطريق.
كيف نعيد لأبنائنا أجنحتهم ليحلّقوا نحو الريادة؟
تكليفهم بمسؤوليات صغيرة تكبر معهم.
ترك مساحة لهم لتجربة الفشل دون تدخل سريع؛ فالفشل معلم لا يُعوَّض.
إشراكهم في الأعمال التطوعية، والرحلات، والمواقف الحياتية الحقيقية.
تقليل مظاهر الترف والعطاء؛ ليتعلموا أن الأشياء تُنال بالسعي لا بمجرد الطلب.
بناء حوارٍ ناضج يفتح لهم أبواب الفهم، لا أبواب الاتكالية.
خاتمة
نحن لا نريد أبناءً يعيشون في قفصٍ جميل، بل نريد صقورًا تعرف السماء.
نريد أبناءً إذا هبّت الريح فتحوا أجنحتهم مواجهةً لها، لا هربًا منها.
أبناءً يدركون أن الطريق لا يُمهَّد، بل يُشق، وأن الحياة لا تعطي من ينتظر، بل من يسعى.
فإن أردنا لهم أن يعانقوا السماء، فعلينا أن نترك لهم شيئًا من التعب، وشيئًا من تحمّل المسؤولية، وشيئًا من البحث عن حلول لمشكلات الحياة، وأن نقلل من اللوم والسخرية عند الإخفاق؛ لأن الإخفاق مرحلة طبيعية في طريق التعلم، ومنه تتكون الخبرة، ويعلو سقف الريادة.
د. صلاح محمد الشيخ
مستشار تربوي وأسري