﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾

ثلاث كلمات تحمل توجيهًا إلهيًا كريمًا وعميقًا لنبي الله داود عليه السلام، ليلتزم به أثناء صناعة السابغات، وهي الدروع التي تغطي كامل الجسد، والمكوَّنة من حلقات صغيرة متداخلة مع بعضها، يلبسها المحارب في المعركة لتقيه -بعد مشيئة الله- من السهام والرماح وضربات السيوف.

عندما ننظر إلى هذه الآية نجد أنها ليست مجرد عبارة تصف ما يجب أن تكون عليه صناعة الدروع، وإنما نحن أمام نظرية اقتصادية مهمة، وقاعدة رئيسة ينبغي اتباعها عند الدخول في مجال الصناعة أو المشاريع التجارية، بل قد يتجاوز مداها إلى إدارة الإنسان لنفسه، وشؤون حياته، وتعاملاته مع الآخرين.

﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾… إننا أمام عبارة تحمل مقومات صناعية في منتهى الدقة والإتقان؛ فالله سبحانه وتعالى لم يقل: اجعلها قوية، أو أكثر من الحديد، أو بالغ في إحكامها، وإنما قال ثلاث كلمات تحمل معاني واسعة، تفي بكل ما يلزم لإنجاز العمل المتقن من جميع جوانبه.

إن تقدير السرد في صناعة الدروع هو أن تكون الحلقات والمسامير بمقاس محدد؛ فلا تكون واسعة فيدخل منها السهم أو الرمح، ولا تكون ضيقة وثقيلة ومتداخلة فتفقد مرونتها وتعيق حركة المحارب. ولا يقتصر الأمر على مقاس الحلقات، بل يشمل سماكتها، وقوتها، وكمية الحديد المستخدمة، وطريقة تشبيكها مع بعضها، بحيث يكون كل شيء بقدرٍ كافٍ يمنحها القوة والمتانة، وسهولة الحركة، وحماية لابسها، فتؤدي وظيفتها بكفاءة عالية.

وهنا نجد أن إتقان أي صناعة لا يأتي بالإسراف والإكثار من استخدام الموارد أو المواد الخام، أو كثرة العمالة، أو إهدار الوقت، وإنما يأتي من التوازن في إدارة كل ما تحت أيدينا من موارد مادية وبشرية وزمنية.

ومن هذا المنطلق نجد في عصرنا الحاضر أن أهم ما يسعى إليه الصانع أو التاجر هو الوصول إلى أقل قدر ممكن من المصروفات التي توصل صناعته أو بضاعته إلى يد المستهلك النهائي بجودة عالية. وهذا من أهم عوامل نجاح المشروع وزيادة أرباحه. ولأن الوصول إلى هذه النتيجة ليس بالأمر الهيِّن، فإنه يستوجب القيام بكثير من الأمور، أهمها الدقة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، والحرص على إيصال المنتج إلى المستهلك مع الالتزام بالأمانة في تقديم الأفضل بإخلاص، مع توفير الوقت والجهد والمال، والاستفادة المثلى من جميع الموارد المتاحة.

وإذا طبقنا هذه القاعدة على أنفسنا، فإن التوازن في أمور حياتنا الشخصية يُعد مطلبًا مهمًا، ويجب أن يكون مدروسًا بعناية فائقة؛ فلا نسرف في الأكل والشرب، ولا في السهر أو النوم، ولا في الاعتدال أو الغضب، ولا في اللين أو القسوة، ولا في العطاء أو الإمساك، وإنما يكون كل شيء بميزان دقيق، حتى لا نفقد السيطرة على أمورنا، فنكتشف بعد فوات الأوان أننا أهملنا بعض الجوانب، وركزنا على جوانب أخرى دون النظر إلى النتائج التي ربما أثرت في مسيرة حياتنا بشكل أو بآخر.

أحيانًا يجتهد بعض الناس ليكونوا مثاليين في كل شيء، سعيًا إلى الكمال، أو خوفًا من الانتقاد، أو خشية الفشل، أو رغبة في أن يراهم الآخرون بصورة رائعة، فيفقدون متعة الحياة الحقيقية، سواء بين أفراد أسرهم أو أصدقائهم، ويغفلون عن أن الجودة الحقيقية لا تعني الزيادة، وإنما تعني المقدار الصحيح في كل جانب، ووضع كل شيء في موضعه المناسب.

إن إجادة صناعة الدرع لم تكن بزيادة كمية الحديد، وإنما بالطريقة التي يُستخدم بها الحديد، وبالإتقان في توزيع كميته بين الحلقات وربطها بعضها ببعض. وهكذا هي الحياة؛ فإن التوازن بين الواجبات الدينية، والمسؤوليات الأسرية، والعملية، والاجتماعية، وعدم الانسياق في اتجاه واحد على حساب الجوانب الأخرى، هو الأساس في جودة الحياة، وتحقيق الرضا عن النفس، والسعادة، وترك الأثر الطيب.

وهنا نجد أن النجاح في المشاريع التجارية أو الصناعية لا يأتي من زيادة الإنفاق، ولا من خفض التكاليف فحسب، ولا من زيادة عدد المديرين أو العاملين، ولا من التعقيدات والأنظمة الإدارية، وإنما يأتي من معرفة ما يمكن الاستغناء عنه دون أن يؤثر في نجاح المشروع وجودة المنتج، وما لا غنى عنه مهما بلغت تكلفته.

وبهذا نصل إلى خلاصة قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾؛ فهو منهج اقتصادي متكامل، يقوم على حسن إدارة الموارد، وإتقان العمل، وإدارة الوقت، والأمانة، والإخلاص، والمحافظة على الجودة فيما يُقدَّم للمستهلك النهائي. وكذلك فإن إتقان حياتنا لا يكون بكثرة ما نعرفه أو نملكه من موارد ومعارف، وإنما بكيفية توظيف هذه الموارد، وبما نقدمه من خلالها لأنفسنا ولمن حولنا من خيرٍ ونفع وأثر.

 

د. عبدالعزيز مبروك الصحفي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *