أيُّ إنسانٍ نُعِدُّ لعالم الغد؟

قبل أيام كنت في أحد المنتزهات، فاستوقفني مشهد أسرة جلست على بساط أخضر في مكان جميل. كانت ترامس الشاي والقهوة تتوسطهم، والأكواب الورقية مصطفة تنتظر من يملؤها، بينما جلس الأب والأم والأبناء في دائرة واحدة. ظننت للوهلة الأولى أنهم يعيشون واحدة من أجمل لحظات الأسرة، لكنني ما لبثت أن اكتشفت أن اجتماع الأجساد لا يعني دائمًا اجتماع القلوب.

كان كل واحد منهم يعيش في عالم مختلف؛ هذا يقلب هاتفه، وذاك يتابع مقطعًا، وثالث يجيب عن رسالة، حتى مضى معظم الوقت دون حديث يجمعهم أو ضحكة يتشاركونها. وحين حان وقت الرحيل، شُرب شيء من الشاي والقهوة على عجل، وجُمعت الأغراض، وانتهت النزهة كما بدأت، دون أن تترك في الذاكرة أثرًا يستحق أن يُحكى.

وأنا أغادر المكان، لم يشغلني السؤال المعتاد: لماذا انشغلوا بهواتفهم؟ بل خطر في ذهني سؤال أكبر: إذا كان هذا هو المشهد الذي يكبر فيه أطفال اليوم، فأيُّ إنسانٍ نُعِدُّ لعالم الغد؟

فالإنسان لا يتشكل في قاعات الدراسة وحدها، ولا تصنعه الدورات التدريبية حين يكبر، بل يتكون بهدوء من تفاصيل الحياة اليومية، ومن طريقة الحوار داخل المنزل، ومن الوقت الذي تمنحه الأسرة لأبنائها، ومن المشاهد التي تتكرر أمام أعينهم حتى تصبح جزءًا من شخصياتهم.

لقد تغير العالم بسرعة غير مسبوقة. لم يعد الطفل ينتظر سنوات ليصل إلى المعلومة، بل أصبحت بين يديه بضغطة واحدة، ودخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم والعمل والإبداع، وأصبح المستقبل يتغير بوتيرة أسرع مما اعتدناه. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يمتلك أبناؤنا أحدث التقنيات؟ بل: هل يمتلكون الشخصية التي تستطيع التعامل مع هذا العالم المتغير؟

قد يعرف الجيل القادم كيف يصل إلى آلاف الإجابات في ثوانٍ، لكنه قد يعجز عن الإصغاء إلى حديث عائلي يستغرق عشر دقائق. وقد يجيد استخدام أحدث التطبيقات، لكنه يجد صعوبة في إدارة حوار هادئ، أو في الصبر على قراءة كتاب، أو في تحمل مسؤولية تحتاج إلى وقت وجهد. وليس السبب ضعفًا في قدراته، وإنما لأنه نشأ في بيئة اعتادت السرعة أكثر من التأمل، والاختصار أكثر من العمق.

ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في التقنية نفسها؛ فهي من أعظم منجزات الإنسان، وستظل شريكًا أساسيًا في بناء المستقبل. لكن التقنية، مهما بلغت من الذكاء، لا تستطيع أن تمنح الطفل شعور الأمان، ولا أن تغرس فيه الرحمة، أو تعلمه الصبر، أو تزرع فيه احترام الآخرين. فهذه القيم لا نحصل عليها من التطبيقات، ولا تُنتجها الخوارزميات، وإنما تنمو في بيت يعرف معنى الحوار، وأسرة تدرك أن وجودها مع أبنائها ليس حضورًا بالأجساد فقط، بل مشاركة في صناعة الإنسان.

والحقيقة أن كثيرًا من الأسر ما زالت تقدم نماذج مشرقة، وتجعل من جلساتها العائلية مساحة للحديث، والقراءة، والضحك، وتبادل الخبرات. وهذا يؤكد أن الأمر ليس قدرًا محتومًا، وإنما هو خيار تربوي يتجدد كل يوم؛ فالأبناء لا يقلدون ما نقوله لهم بقدر ما يقلدون ما يرونه منا.

ولذلك، فإن أخطر ما قد نفقده ليس الوقت، بل تلك اللحظات الصغيرة التي تُبنى فيها شخصية الطفل دون أن نشعر. فساعة حوار صادق قد تصنع ما لا تصنعه عشرات المحاضرات، ونزهة يحضر فيها الجميع بقلوبهم قد تبقى في ذاكرة الابن سنوات طويلة، بينما تمر ساعات الانشغال المتبادل كأنها لم تكن.

إن عالم الغد لن يحتاج إلى أناس يعرفون استخدام التقنية فحسب، بل إلى أناس يمتلكون الوعي، والقدرة على التفكير، وحسن التواصل، والثبات على القيم وسط عالم سريع التغير. وهذه الصفات لا تبدأ في المدرسة، ولا في الجامعة، بل تبدأ من البيت.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف سيكون الجيل القادم؟ بل: أيُّ إنسانٍ نُعِدُّ له منذ اليوم؟

فالأجيال لا يصنعها الزمن، وإنما تصنعها البيوت، وما نزرعه اليوم في نفوس أبنائنا سنراه غدًا في مجتمعاتنا.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *