«﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
[سورة الملك: 1-2].»
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وآله وصحبه.
فَقْدُ الأحبةِ عزيزٌ على النفس، ولكنه واقعٌ لا محالة.
«كلُّ ابنِ أنثى وإن طالت سلامته
يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ»
ويقول الآخر:
«لا بدَّ من فقدٍ ومن فاقدٍ
هيهاتَ ما في الناسِ من خالدِ»
في يوم الثلاثاء 29/1/1448هـ، انتقلت إلى رحمة الله شقيقتي الكريمة حصة بنت إبراهيم الطريقي، بعد معاناةٍ مع مرضٍ ألمَّ بها طوال العام الماضي، وإن كانت خلال الأشهر القليلة الماضية لا تشكو من أوجاع، إلا أنها كانت في حالة صمتٍ قاهر، لا تشعر بما حولها، حتى أسلمت روحها لبارئها. رحمها الله تعالى، ورفع قدرها مع الأبرار.
عشتُ وإياها أيام الطفولة في بيتٍ طيني صغير غربي العقدة من الزلفي، ثم انتقلنا إلى مزرعةٍ نائية، وعمري ثلاث سنوات، وعمرها خمس سنوات، إذ وُلدت عام 1368هـ.
فكانت نشأتنا الأولى رعاةً للغنم، مع البهائم، والشياه، والمعزى، والخرفان الكبيرة التي تشبه الثيران، والتي طُبعت على النطاح والعدوانية، حتى ربما تسلطت علينا ونحن في أرضٍ خلاء، بعيدين عن أنظار الوالدين.
كما كنا نسهم مع الوالدين، رحمهما الله، في شتى أعمال المزرعة، مثل: رياسة الماء (تصريفه)، وحصاد البرسيم، والشامية، والزرع، وتحميله على الدابة (الحمار) لتعليف البهائم، وتنقية الزروع من النباتات النشاز، مع تجهيز فرش النوم على سطح المنزل، ورش الأرضية بالماء قبيل الغروب لتخفيف حرارة الجو.
وكم واجهتُ أنا وإياها من مخاطر السباع، والكلاب، والحيات، والعقارب، ولكن الله هو الحافظ، وهو الواقي.
وقد بقينا على هذا الحال سبعَ سنينَ شدادًا، حتى كتب الله لنا النجاة والمعافاة من تلك الحياة المرعبة.
فانتقلنا إلى البلدة (العقدة) عام 1379هـ، فدخلنا في حياةٍ أكثر هدوءًا واستقرارًا، فالتحقتُ أنا بالمدرسة.
أما أختي، فلم تكن مدارس البنات قد أُحدثت بعدُ، فعاشت مع والدتها، أمنا الحنون منيرة بنت حمدان الباتل، التي كانت مدرسةً متكاملةً في التربية، والتعليم، والأخلاق، والتديُّن، فتأثرت بها كثيرًا، ثم لم تلبث طويلًا حتى تزوجت من الأستاذ الكريم عبدالمحسن بن عبدالله الطريقي، وكان يعمل معلمًا بالمدرسة الأولى (القدس)، ثم وكيلًا لها.
فانتقلت إلى عش الزوجية معززةً مكرمةً، في بيتٍ كان يُعد من أكبر بيوت البلاد وأفخمها، وكان مجاورًا للمدرسة المشار إليها.
وكانت والدة زوجها لولوه بنت عبدالعزيز الخزعل العصيمي تعيش بينهم، لا كامرأةٍ عادية، بل كانت سيدة البيت، ذات شخصيةٍ عصامية قوية.
ورُزقت أختي من زوجها ذريةً طيبةً مباركة، تمثلت في أربعة بنين: (طارق الأول، وخالد، وسامي، وطارق الثاني)، وست بنات: هيفاء، وتهاني، وعالية، وعصماء، وأشواق، وأنهار.
ثم انتقلت الأسرة إلى الرياض، وعاشت فترةً يسيرةً مع أسرة أخي عبدالعزيز (أبي نزار)، قبل أن يستقل كلٌّ منهما ببيتٍ منفرد؛ أحدهما في حي الملز، والآخر في حي العود.
ولما انتقلتُ إلى الرياض للدراسة الجامعية عام 1391هـ، كنت أتعهدهما بالزيارة، ولا سيما أختي، إذ كنت أسكن في “غميتة” عزبًا مع بعض الزملاء، فأذهب إليها مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، فأجد حسن الاستقبال، وكرم الضيافة، من أختي وزوجها أبي طارق.
أضف إلى ذلك أن أبناءهم، ذكورًا وإناثًا، تعلقوا بأخوالهم، ولا سيما بجَدِّهم لأمهم إبراهيم بن علي الطريقي، وجدتهم منيرة بنت حمدان الباتل، حتى توثقت العلاقة بيننا، فكانوا يقضون أكثر إجازاتهم عند أخوالهم في الزلفي.
وتعلمت من والديها ومن زوجها ما ينبغي تجاه الضيف، أيًّا كان، من تقديرٍ، واحترامٍ، وحفاوةٍ، وإكرام، سواء أكان ضيفًا عابرًا أم مقيمًا أيامًا، وكان ضيوف أبي طارق من شتى الأنواع، ولا سيما القادمون من الكويت من أقاربه.
ومما يُحمد لها أنها التحقت بدارٍ نسائيةٍ لتحفيظ القرآن الكريم، على الرغم من أميتها، وجاهدت في تعلم القراءة والكتابة، وحفظ ما تيسر من كتاب الله، واستمرت على ذلك عقودًا من الزمن حتى أدركت ما كانت تتمناه.
ومن خصالها الجميلة نقاء السريرة، وسلامة القلب من الأحقاد والضغائن، وحب الخير للآخرين، والنفرة من القيل والقال، والتعرض لأعراض الناس، وتتبع عوراتهم وزلاتهم.
ويبدو أنها اكتسبت من والدتها حب الصدقات، والإحسان إلى الضعفاء، ورحمة الأطفال، وتقديم الهدايا لهم، ولها في ذلك باعٌ طويل، وسجل حافل، يشهد به أولادها ومعارفها.
وقد ورث منها أولادها خصالًا جميلة، يأتي في مقدمتها التخلق بخُلُق الجد والعزم، ومواجهة الحياة، وتحمل مسؤولياتها، في شؤونها الدينية والدنيوية، وحسن التعامل مع الآخرين، والبعد عن الخمول والكسل والعجز.
وختامًا، فقد عاشت أختي حياةً طيبةً كريمةً طوال عمرها، وفي السنتين الأخيرتين بدأ يعتريها النسيان، مع بعض الأمراض المصاحبة، ودخلت المستشفى أو راجعته مراتٍ عدة، حتى جاء أجلها المحتوم، فقبض الله روحها الطاهرة فجر يوم الثلاثاء 29/1/1448هـ، وصُلِّي عليها في جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض بعد صلاة العصر، ثم دُفنت في مقبرة النسيم.
رحمها الله تعالى.
«الأختُ ما الأختُ إلا طيبُ قلبِ أبٍ
ودفءُ أمٍّ جرى في الروحِ حنانًا
*********
عشنا معًا تحت سقف البيت منذ صغرٍ
ومسمعُ الأنسِ كم أصغى لنجوانا
*********
حتى كبرنا ولم نشعر على عجلٍ
وصار كالحلم في الأزمان لقيانا
*********
قد فرقتنا يدُ الأيام ليس لنا
سوى حنينٍ مع التذكار أبكانا»
تلك لمحةٌ سريعة عن هذه المرأة النبيلة، حصة الطريقي، رحمها الله، وأحسن عزاء ذويها ومحبيها.
فوداعًا يا أختي.
د. عبدالله بن إبراهيم بن علي الطريقي
مقالات سابقة للكاتب