يعيش الإنسان حياته بين سؤالٍ فردي يأخذ حيزاً كبيراً في تشكيله وصياغته، وبين إجابةٍ يتشارك تداولها مع الآخرين.
فليس أخطر على الإنسان من أن يرث أجوبةً لم يخض من أجلها معركة السؤال.
فالأجوبة الجاهزة لا تُنشئ وعياً،
بل تُنشئ طمأنينةً مصطنعة.
والطمأنينة حين تُمنح قبل أوانها، ليست سوى صورةٍ مهذبةٍ للجمود.
لذلك لا يبدأ الوعي عندما نعرف، بل عندما نشك في أن ما نعرفه قد لا يكون الحقيقة الكاملة، وأن ثَمَّةَ جزء منها يحتاج إلى شجاعة السؤال، وفضيلة الاستقصاء.
إن الجماعة -مهما بلغت حكمتها-لا تستطيع أن تمنح الفرد وعيه؛ لأنها تمنحه لغتها لا بصيرته، وتورثه ذاكرتها لا تجربته، وتغرس فيه خرائط الطريق دون أن تمنحه البوصلة.
ولهذا؛ يمر كثيرون بالحياة وهم يحفظون أسماء الأشياء، لكنهم لم يعرفوا جوهرها.
إنهم يعرفون كيف يتحدثون عن الحرية، لكنهم لم يسألوا أنفسهم يوماً: ما الذي يستعبدني؟ ويتحدثون عن السعادة، لكنهم لم يجرؤوا على مواجهة السؤال الأكثر إزعاجاً: هل ما أسعى إليه هو ما أريده حقاً،أم ما تعلّمت أن أرغبه؟
فالجميع يمنحك الاتجاه، أما السؤال فيمنحك الرؤية.
والفرق بين الاتجاه والرؤية هو الفرق بين من يسير داخل الطريق، ومن يكتشف لماذا وُجِد الطريق أصلاً.
إن أخطر ما تفعله الجماعة ليس أنها تفرض رأياً، بل أنها تجعل الرأي مألوفاً إلى الحد الذي يبدو معه التفكير خروجاً عن النظام.
فالعقل لا يستسلم دائماً بالقوة، بل كثيراً ما يستسلم بالألفة. وما يتكرر أمامنا يفقد حاجته إلى البرهان؛ حتى يصبح التقليد اسماً آخر للحقيقة.
وهنا يبدأ الموت الصامت للفكر؛ إذ تتحول القناعات إلى ميراث،لا إلى اكتشاف.
ولذلك؛ فإن الوعي لا ينمو في الضجيج الجماعي، بل في العزلة التي يسمع فيها الإنسان لأول مرة صوته الخاص.
والعزلة ليست ابتعاداً عن البشر، وإنما اقترابٌ من الذات حتى تتكلم دون مترجم.
ففي صمت النفس؛ تظهر الأسئلة التي أخفاها صخب الحياة:
من أنا عندما لا يصفق لي أحد؟
ماذا يبقى مني إذا نزعت عني الألقاب والأدوار والصور التي يراني بها الآخرون؟
وأي جزء من شخصيتي صنعته قناعتي؟
وأي جزء صنعه خوفي من الاختلاف؟
إن كل سؤالٍ حقيقي هو زلزال صغير يهدم طبقةً من اليقين.
ولهذا؛ يخاف الناس السؤال؛ لأنه لا يكتفي بإضافة معرفة، بل ينتزع هويةً قديمة.
فليس الوعي تراكم معلومات، بل سلسلة من الانهيارات الداخلية، يسقط فيها الإنسان من صورةٍ كان يظنها نفسه؛ ليولد في صورةٍ أوسع.
إن كل مرحلة نضج ليست إلا جنازةً لفكرةٍ أحببناها طويلاً.
ومن هنا يصبح السؤال فعلاً وجودياً،لا فعلاً معرفياً.
نحن لا نسأل لأننا نجهل فقط، بل لأن السؤال يعيد تشكيل الكائن الذي يسأل.
فالإجابة تغيّر ما نعرفه، أما السؤال فيغيّر من نكون.
ولهذا يخرج شخصان من قراءة الكتاب نفسه مختلفين؛ أحدهما جمع معلومات جديدة، والآخر خرج بشخصية جديدة؛ لأن الأول قرأ الكلمات، بينما الثاني قرأ نفسه التي رأها في السطور.
ولعل أعظم خداع يمارسه الإنسان على ذاته، هو أن يظن أن كثرة المؤيدين دليلٌ على صحة الفكرة. غير أن التاريخ يعلمنا أن الحقيقة لم تبدأ يوماً من الجموع، بل من فردٍ امتلك شجاعة السؤال، وليس من بِشْت الإجابة الذي نرتديه عندما يحين موعد لقاء تلك الجموع.
إن القارئ الحصيف يجد أن كل قفزة حضارية كانت في أصلها اعتراضاً هادئاً، وكل اكتشاف عظيم بدأ بجملة بسيطة:
“وماذا لو كان الأمر مختلفاً؟”
فالحضارات لا يصنعها الذين يكررون الإجابات، بل الذين يجرؤون على إعادة صياغة السؤال.
إن الإنسان الذي لا يسأل؛يعيش داخل عقلٍ مستعار.
صحيح أن هذا الإنسان قد ينجح، وقد يشتهر، وقد يحظى بالقبول، لكنه يظل غريباً عن ذاته؛ لأن وجوده كله مبنيٌ على أفكار لم يخترها، وقيم لم يمتحنها، وأحلام لم يكتبها بيده.
أما الإنسان الذي يسأل؛ فإنه يخسر يقيناته سريعاً، لكنه يربح نفسه ببطء. وكلما فقد وهماً؛ اتسعت رؤيته. وكلما انهارت حقيقة صغيرة؛ اقترب من حقيقةٍ أكبر لا تدّعي الاكتمال.
ولذلك؛ فإن الوعي ليس محطة يصل إليها الإنسان، بل هو قدرة دائمة على مغادرة المحطات.
إنه -أي الوعي- ألا تجعل أي فكرة بيتك الأخير، ولا أي يقين نهاية رحلتك.
فالحقيقة ليست صخرةً تقف عندها، بل أفقٌ يبتعد كلما اقتربت منه؛ حتى يبقى العقل حياً، والروح يقظة، والقلب متواضعاً أمام اتساع الوجود.
ولذلك نجد أن الوعي لا ينمو في طرق الجميع وسبلهم؛ لأن الطرق المزدحمة تعلمنا كيف نسير مع الآخرين، لكنها نادراً ما تعلمنا كيف نسير نحو أنفسنا.
أما سؤال الفرد، فهو الطريق الوحيد الذي لا يقود إلى العالم أولاً، بل يقود إلى الداخل؛ وهناك، في تلك الأعماق التي لا يسمع فيها الإنسان إلا صدى فكره، يبدأ الميلاد الحقيقي للعقل. فالإنسان لا يصبح واعياً حين يجد كل الإجابات، بل حين يصبح هو نفسه سؤالاً مفتوحاً على الوجود، لا يخاف المجهول، بل يدرك أن أعظم الحقائق لا تُورث، وإنما تُولد من شجاعة أن يسأل المرء، ولو سار وحده في الطريق.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي