من تأمل شريعة الإسلام وجد أنها لا تدع المؤمن يفرغ من طاعة إلا وتفتح له بابًا آخر من أبواب القربات، حتى يبقى قلبه موصولًا بالله، وسائرًا إليه في كل حين. فالمواسم الإيمانية في الإسلام ليست محطات متفرقة، وإنما هي حلقات متتابعة في طريق العبودية، ينتقل فيها المسلم من عبادة إلى عبادة، ومن موسم إلى موسم، ومن نفحة إلى نفحة.
فما إن تنقضي عشر ذي الحجة، تلك الأيام التي أقسم الله بها، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه من غيرها، حتى يدخل المسلم في أيام التشريق التي وصفها النبي ﷺ بأنها “أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل”، فلا ينقطع الذكر بانتهاء يوم العيد، بل يستمر التكبير والتحميد والتهليل، ليبقى القلب متعلقًا بربه.
ثم لا يلبث المسلم أن يستقبل شهر الله المحرم، أول شهور العام الهجري، وأحد الأشهر الحرم التي عظّمها الله تعالى، فيجد بابًا جديدًا من أبواب الطاعة قد فُتح له، وهو باب الصيام. وقد قال النبي ﷺ: “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم”، فانتقل المسلم من عبادة الذكر والتكبير في أيام التشريق إلى عبادة الصيام في شهر الله المحرم، وكأن الشريعة تقول له: لا تقف، ولا تنقطع، ولا تجعل للطاعة موسمًا محدودًا، بل اجعل حياتك كلها لله.
وفي هذا الشهر المبارك يبرز يوم عاشوراء، ذلك اليوم العظيم الذي نجّى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وجنوده، فصامه موسى شكرًا لله، وصامه نبينا ﷺ شكرًا لله واتباعًا للحق. وقد كان صيام عاشوراء واجبًا في أول الإسلام قبل فرض رمضان، فلما فرض رمضان بقيت منزلته محفوظة، وانتقل حكمه إلى السنية المؤكدة والاستحباب، وظلت فضيلته عظيمة، حتى أخبر النبي ﷺ أن صيامه يكفّر ذنوب سنة كاملة.
وهنا تتجلى حكمة بديعة؛ فبعد أن يودع المسلم موسم الحج والعشر وأيام التشريق، لا يترك دون زاد إيماني، بل يستقبل موسمًا جديدًا يذكره بمعاني الشكر واليقين والنجاة والثبات على الحق.
ومن أعظم الدروس التي نتعلمها من هذا التعاقب المبارك للمواسم أن قبول الطاعة يكون بالطاعة بعدها. فالحاج الصادق لا تنتهي علاقته بالله بانتهاء مناسكه، والصائم الصادق لا تنتهي صلته بربه بانتهاء يوم صيامه، وإنما ينتقل من عبادة إلى عبادة، ومن قرب إلى قرب، ومن طاعة إلى طاعة.
ولعل من الحكم العظيمة أن يكون آخر العام الهجري وأوله في شهر من الأشهر الحرم؛ فتنتهي السنة بحرمة وتعظيم لله، وتبدأ السنة بحرمة وتعظيم لله، وكأن المؤمن يودع عامًا بطاعة ويستقبل عامًا بطاعة. إنها رسالة عملية بأن الزمن كله لله، وأن العمر كله ينبغي أن يكون في مرضاته.
إن عاشوراء ليس مجرد يوم يُصام، وإنما هو محطة لمراجعة النفس، وتجديد العهد مع الله، واستئناف السير إليه. فكما يبدأ المسلم عامًا هجريًا جديدًا، ينبغي أن يبدأ معه قلبًا جديدًا، وعزمًا جديدًا، وصفحة جديدة مع الله تعالى.
فطوبى لمن جعل مواسم الطاعة جسورًا تعبر به إلى مواسم أخرى، ولم يجعلها محطات عابرة تنتهي بانتهاء أيامها. ذلك هو الفقه الحقيقي للمواسم، وذلك هو سر الثبات على طريق الله؛ أن يبقى العبد متنقلًا من عبادة إلى عبادة حتى يلقى ربه وهو عنه راضٍ.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
أستاذ الحديث وعلومه بقسم الكتاب والسنة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى
مقالات سابقة للكاتب