لم يكن النجاح يتحقق بمحض الصدفة أو موقف عابر يحقق للإنسان أهدافه التي يسعى إليها، بل هو جدٌّ واجتهادٌّ وحصيلةٌ من تراكم خبرات ومعارف هيّأت لصاحبها ظروف النجاح، وتحقق له كل وسائل الخير والفلاح.
إن النجاح قبل كل شيء هو توفيق من الله سبحانه وتعالى؛ حيث قول ربنا عز وجل: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. ومع هذه الأسباب يسأل الإنسان الله التوفيق والسداد وبذل الجهد والسعي وحث الخطى نحو أهدافه المشروعة التي يسعى لتحقيقها.
كم من فتى بذل كل ما في طاقته وتحقق له ما أراد، فكان التوفيق حليفه، والخير أمامه؛ لأنه أخلص النيّة لله عز وجل في هدف مشروع يحقق له ما يريد وما ينبغي تحقيقه، ويستحق جميع التضحيات من أجله.
فالنجاح يتحقق من خلال الأهداف والرؤية واستشراف المستقبل والوعي بأهمية التغيير والتطوير والتحسين لواقع الإنسان والانتقال إلى واقع آخر يجعله يستفيد من إمكاناته، ويغير واقعه إلى أفضل مما كان.
فالنجاح لم يتولد بمحض صدفة أو ضربة حظ، إنما هو جهد يبذله الإنسان سنوات من عمره بكل الأسباب المؤدية للنجاح حتى يصل لمبتغاه، ويحقق مراده الذي يسعى إليه في جميع مراحل حياته، ولا يرتبط بمرحلة معينة، إنما هو تراكم عدد من الخبرات والتعلم التي تعزز فرص النجاح وتحقق أحلامه.
فالكسل والهوان والاتكالية لم تكن يومًا ما تسيطر على الإنسان وتتحول إلى سلوك يضعف من قدراته للوصول إلى أهدافه الذي بدورها تؤثر على شعوره الداخلي؛ مما يؤثر على الاستفادة من القدرات والإمكانات التي وهبها الله إياه ليقدرها ويوظفها فيما يخدم دينه ومجتمعه وأمته .
فالناجحون لهم سير عظيمة من العطاء والتضحية بالوقت والمال والجهد من أجل تحقيق ما يريدون، والوصول إلى أهدافهم التي يسعون إليها ومبتغاهم الذي يأملون الوصول إليه، يشجعهم في ذلك رغبة ملحة وأهداف واضحة ورؤية طموحة جعلتهم يبنون أنفسهم ويؤدبونها ويتمسكون بخطامها ولجامها نحو التميز الذي لا يرضون بدونه، والصبر وتطوير ذاتهم نحو الجد والاجتهاد والابتعاد عن كل ما يؤذي النفس ويدفعها نحو التكاسل والهوان حتى تضعف قدراتها ويزداد هوانها.
فالعظماء وأصحاب النجاحات الذين حققوا إنجازات للبشرية وتحققت أحلامهم التي انتظروها سنوات طوال من أجل أن يحصدوا ثمرة تلك الجهود والتميز، بدأت طموحاتهم بأحلام باهتة في البداية، وتحولت مع الأيام إلى واقع ينشده الإنسان ويبذل كل ما في وسعه من أجل ذلك، ثم بدأ بخطة وواضحة ينفذها ويعدل فيها كل ما رأى ذلك ضرورة حتى تحقق له ما أراد وما سعى إليه.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22].
فالصراط المستقيم هو الرؤية الواضحة والهدف الجلي الذي يسعى إليه الإنسان حتى يحققه كمن هو يسير بدون رؤية وينظر في الأرض مكباً على وجهه لا يستطيع أن ينظر إلى الفضاء ويتفكر في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ويسأله التوفيق والسداد في جميع أمور حياته، وكذلك يسأله أن يعينه ويلهمه الطريق الواضح والفكر الذي ينهض به نحو خيري الدنيا والآخرة؛ حتى ينجح في استثمار قدراته وتوظيفها بشكل إيجابي يساعده على التميز بوضوح الرؤية والأهداف.
فالمرء لا يعجز عن تحقيق أهدافه التي يسعى إليها طالما أنها مشروعة وواضحة المعالم، وتحقق له العديد من المكتسبات التي ينظر إليها الإنسان كالحلم الذي يتحول مع مرور الأيام والسعي الحثيث والتوفيق من الله تعالى إلى محصلة جميلة وأهداف مؤكدة تم تحقيقها بالصبر وتحمل المشقة والسهر ومخالفة هوى النفس الذي قد تغير طريق الإنسان نحو هدفه والابتعاد عن طريق النجاح الذي يرغب الوصول وتحقيقه.
فما أعجزك أيها الإنسان عندما يتحول العجز إلى سلوك يكسر مجاديف النفس ويضعف قدراتها ويزيد من هوانها والاستفادة من الإمكانات التي منحها الله إياه لينطلق في عالم الإبداع وفضاء الكون الرحب وإطلاق تلك المواهب من أجل تميزه في إيجاد إنسان إيجابي يغير من واقعه نحو الأفضل، ويصنع أمله ومستقبله المأمول.
أ.د. محمد بن حارب الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء
مقالات سابقة للكاتب