لا شك أنه من فضل الله علينا ما مَنَّ الله به علينا في هذه الإجازات الصيفية من برامج ودورات علمية ومهارية مختلفة ومتنوعة تساعدنا على اغتنام هذه الإجازات والخروج منها بأعلى قدر من المكاسب والإنجازات، وهذا بلا شك فرصة قد لا تتاح لأي أحد، وقد لا تتكرر كلما احتجنا إليها، وهذا يحتم علينا عدم إضاعتها أو التفريط فيها، وإلا تحقق فينا قول الخليل بن أحمد الفراهيدي:
“وَعاجِزُ الرَأيِ مِضياعٌ لِفُرصَتِهِ *** حَتّى إِذا فاتَ أَمرٌ عاتَبَ القَدَرا”
وكثير منا مدركٌ لحقيقة ما ذُكر ومقدِّرٌ لأهميته، إلا أنه ربما قضى التردد والحيرة على آماله، وانصرمت الأيام، ومضى الوقت، وضاعت الفرص، وهو لم يحرك ساكنًا، ولم يحقق هدفًا بسبب التردد والحيرة، خاصة مع كثرة البرامج وتنوعها ورغبته في كثير منها مع تعذُّر الجمع بينها في الفترة الحالية، وأهم ما ينقذ ويخلِّص من هذا التردد والحيرة بإذن الله تعالى أمور:
أولًا: معرفة الشخص بمستواه الحقيقي وقدراته الفعلية.
ثانيًا: تحديد الأولويات لديه وترتيبها.
ثالثًا: الواقعية في اختيار البرنامج بعد وضوح النقطتين السابقتين.
رابعًا: الموازنة بين الوقت والجهد المحدد للبرامج والمسؤوليات الأسرية والاجتماعية إذا لم يكن بمقدوره التفرغ التام.
خامسًا: اختيار بعض البرامج المتاحة حاليًا مما تمس حاجته إليه لتكون في مرحلة قادمة، وليس في الفترة الحالية، فيكون عدم الانضمام إليها تأجيلًا وليس إعراضًا، ولهذا أثر مهم في قوة الهمة ووضوح الأهداف الحالية والمستقبلية.
وتكون الخلاصة بعد هذا أنه يختار من البرامج المتاحة ما يناسب مستواه العلمي وقدراته الشخصية، وله أولوية وأهمية أكثر من غيره، ويساعد إنجازه على إنجاز أهداف أخرى مستقبلًا، ويكون هو سُلَّمًا إليها، ولا توجد موانع مادية ولا اجتماعية تحول دون تحقيقه.
ومما يساعد على إدارة الوقت وحسن الاستفادة منه تقسيم الإجازة إلى قسمين:
الأول: قسم يخصص للبرامج العلمية والمهارية، ويكون ثلثا الإجازة تقريبًا، وكونه في أولها أفضل وأنفع، ويمكن المشاركة في بعض البرامج الأسرية والمناسبات الاجتماعية – بقدر محدود – ما لم يؤثر ذلك على البرامج العلمية والمهارية.
ثانيًا: قسم يخصص للبرامج الأسرية والاجتماعية تكون الأولوية فيه لها، ويكون ثلث الإجازة، والأفضل والأنفع أن يكون في آخرها قبل بداية العام الدراسي المقبل بأسبوعين مثلًا؛ ليكون أجدى للاستجمام، وتجديد النشاط، وتهيئة النفس لاستقبال العام الدراسي بنشاط وعزيمة. وهذا القسم يستفاد منه علميًا ومهاريًا كلما سنحت الفرصة بما لا يشكل ضغطًا ويجلب مشقة.
وأخيرًا: عندما تعجز عن حسم الأمور بنفسك فاستشر ناصحًا خبيرًا يحب الخير لك ويحرص على مصلحتك، يضع لك النقاط على الحروف، ويخلصك مما يشوش عليك الرؤية إن شاء الله تعالى.
إضاءة:
عندما يصبح فرحك بالإجازة بقدر ما تتعلمه فيها من معارف، وتتقنه من مهارات، وتنجزه من مهام – لا بما تضيعه فيها من وقت، وتهدره من فرص – فأنت في طريق السمو العقلي والروحي، وهو طريق لا يعرف الفشل ولا الإحباط، ولا التمنيات الفارغة، ولا السعادة الوهمية.
وقبل كل شيء، وبعده، ومعه استعن بالله، ولا تعجز، والله ولي التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
✍🏻 محمد بن أحمد الأنصاري
مقالات سابقة للكاتب