العفو بعد التمكين… حين ينتصر الإنسان على نفسه

قد ينسى الإنسان كثيرًا من تفاصيل حياته، لكنه نادرًا ما ينسى ظلمًا وقع عليه، أو كلمةً جارحة آلمته، أو موقفًا ترك في نفسه أثرًا لا يمحوه الزمن بسهولة. ولذلك تبقى الرغبة في الانتقام كامنةً في بعض النفوس، تنتظر لحظة القدرة لتخرج إلى الواقع، وكأن السنين لم تفعل شيئًا سوى تأجيل الحساب. غير أن التاريخ لم يخلّد المنتقمين كما خلّد المتسامحين، ولم يرفع شأن الذين استعملوا قوتهم للبطش كما رفع شأن الذين انتصروا على أنفسهم عند القدرة. ولهذا كان العفو بعد التمكين من أشرف الأخلاق وأعظمها أثرًا في حياة الأفراد والمجتمعات؛ لأنه لا يصدر عن عجز أو ضعف، بل عن قوةٍ اختارت الإحسان، وقدرةٍ آثرت الصفح، ونفسٍ ارتفعت فوق رغبة الانتقام. ولعل من أروع النماذج التي سجلها القرآن الكريم في هذا الباب قصة نبي الله يوسف عليه السلام. فقد تعرض لأذى عظيم من أقرب الناس إليه؛ حسده إخوته، وألقوه في غيابة الجب، ثم بيع بثمن بخس، وعاش غريبًا بعيدًا عن أبيه سنوات طويلة. وتعاقبت عليه المحن حتى دخل السجن ظلمًا، ثم شاء الله أن يخرجه منه، وأن يجعله عزيز مصر وصاحب الأمر فيها. وبعد كل تلك السنوات وقف إخوته بين يديه محتاجين، بينما أصبح هو صاحب السلطان والقرار. وكانت تلك هي اللحظة التي ينتظرها كل مظلوم، لحظة القدرة على رد المظلمة. لكن يوسف عليه السلام تجاوز جراح الماضي كلها، وقال كلمته الخالدة: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 92). لقد انتصر يوسف عليه السلام على نفسه قبل أن ينتصر على خصومه، فكان عفوه أعظم من سلطانه، وكانت رحمته أوسع من جراحه. ثم تتجلى صورة أخرى من صور العفو بعد التمكين في أعظم يوم نصر عرفته السيرة النبوية؛ يوم فتح مكة. فقد أُخرج النبي - صلوات ربي وسلامه عليه - من بلده، وأُوذي وأصحابه، وخاض سنوات طويلة من الصراع مع قريش، حتى جاء اليوم الذي دخل فيه مكة فاتحًا منتصرًا، وأهلها يقفون بين يديه ينتظرون حكمه. وكانت كل أسباب العقوبة قائمة، وكل دوافع الانتقام حاضرة، لكن الرحمة كانت أعظم من الغضب، والعفو أكبر من المؤاخذة. وقد تجلى ذلك في عفوه العام عن أكثر أهل مكة، بقوله صلوات ربي عليه: اذهبوا فأنتم الطلقاء، حتى صار فتح مكة مثالًا خالدًا في التسامح عند النصر، والرحمة عند القدرة. وقال بعض العلماء: قتلهم بالعفو. فلأن قريش أهل خلق ومروءة كان العفو عنهم بمثابة قتلهم. ومن المواقف المؤثرة كذلك ما وقع لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في حادثة الإفك، حين شارك مسطح بن أثاثة في نقل الحديث الذي آذى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته، فلما علم بما كان منه أقسم ألا ينفق عليه بعد ذلك. لكن القرآن الكريم نزل يربي النفوس على معانٍ أسمى من مجرد الانتصار للنفس، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: 22). فما كان من أبي بكر رضي الله عنه إلا أن قال: «بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي»، ثم أعاد إليه نفقته، واستمر في إحسانه إليه. وهكذا ينتصر الإيمان على غضب النفس، ويصبح الرجاء في مغفرة الله أقوى من رغبة الإنسان في الانتقام. وفي صفحات التاريخ الإسلامي تبرز قصة الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي تغيظ على رجل قبل أن يتولى الخلافة، فقال: «والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا». ثم دارت الأيام حتى صار خليفة للمسلمين، وجيء بذلك الرجل إلى مجلسه، وقد أصبح مصيره بين يدي من توعده يومًا. وفي تلك اللحظة وقف العالم الجليل رجاء بن حيوة مخاطبًا أمير المؤمنين بقوله: «يا أمير المؤمنين، قد صنع الله لك ما تحب فأمكنك من الخلافة، فاصنع لله ما يحب، فإن الله كريم يحب العفو». فكانت كلمات قليلة، لكنها نفذت إلى القلب مباشرة. فأعلن عبد الملك عفوه عن الرجل، ثم أمر له بعطاء وصلة. ولعل هذه القصة تختصر فلسفة العفو كلها في عبارة واحدة: «قد صنع الله لك ما تحب، فاصنع لله ما يحب.» إن الإنسان لا يحتاج أن يكون نبيًا أو خليفة حتى يختبر معنى العفو بعد التمكين. فالأب يملك سلطة على أبنائه، والمدير على موظفيه، وصاحب المال على من يعمل عنده، والزوج على أسرته، والإنسان عمومًا قد يجد نفسه يومًا قادرًا على رد الإساءة بمثلها أو أشد منها. وفي كل هذه المواقف يتكرر السؤال ذاته: ماذا ستفعل حين تصبح قادرًا؟ هل ستجعل من القوة وسيلةً للانتقام، أم بابًا للإصلاح والإحسان؟ أم أنك ستترك الأمر لله وتتغلب على شهوة الانتقام التي لا تورث إلا البغضاء واستمرارية العداوة! إن كثيرًا من النزاعات الأسرية، والخلافات الاجتماعية، والقطيعة بين الأقارب والأصدقاء، لم تنشأ من الخطأ الأول بقدر ما نشأت من العجز عن تجاوزه. فحين يصر كل طرف على استيفاء حقه كاملًا، تتسع دائرة الخصومة، وتطول سنوات الجفاء. أما حين ينتصر الإنسان على نفسه، ويختار العفو حيث يكون العفو أصلح وأقرب للتقوى، فإنه يطفئ نارًا كان يمكن أن تحرق سنوات من المودة والعلاقة. وقد بيّن النبي ﷺ أن القوة الحقيقية ليست قوة البدن، وإنما قوة النفس، فقال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه). فكم من إنسان هزم غيره، لكنه عجز عن هزيمة غضبه، وكم من إنسان ملك السلطة والقدرة، ثم ارتفع فوق رغبات نفسه، فاستحق أن يُذكر بالإجلال والاحترام. تدور الأيام بين الناس، فيصبح الضعيف قويًا، والمحتاج مستغنيًا، والمظلوم قادرًا على رد المظلمة. وفي تلك اللحظات لا يُختبر مقدار ما نملك من سلطة، بل يُختبر مقدار ما نحمل من أخلاق. ولعل أعظم ما يتركه الإنسان وراءه ليس مالًا جمعه، ولا منصبًا شغله، ولا نفوذًا امتلكه، بل موقفًا كريمًا عفا فيه وهو قادر، وصفحةً طواها وهو منتصر، وقلبًا جبره وهو يملك حق العقوبة. وقد لخّص رجاء بن حيوة هذا المعنى كله حين قال لعبد الملك بن مروان: «قد صنع الله لك ما تحب، فاصنع لله ما يحب.» وما أحوج عالمنا اليوم إلى رجالٍ ونساءٍ يملكون القدرة على الرد، ثم يختارون العفو، ويملكون حق العقوبة، ثم يؤثرون الصفح، طمعًا في قول الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: 22). فما أعظم أن ينتصر الإنسان على نفسه، وما أجمل أن يجعل من لحظة التمكين طريقًا إلى رضا الله، لا وسيلةً لتصفية الحسابات؛ فالعفو عند القدرة ليس هزيمةً للإنسان، بل هو أرقى انتصاراته. د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل الاثنين 15 ذوالحجة 1447ه   مقالات سابقة للكاتب