يخطئ من يظن أن الحياة تُقاس بما نُنجزه من مهام أو ما نراكمه من معرفة. فالإنسان في جوهره كائن لا يقتات إلا على المودة ، وإذا كان العلم هو الضياء الذي يُنير العقول فإن الحب هو الدفء الذي يمنح الروح حقها في البقاء.
وما لم تكن جسور المعرفة مشيدة على أساس من الصدق والتقدير فإنها تظل مجرد جدران صماء لا تنبض بالحياة.
وفي عالم يزداد توحشاً بالسرعة والآلية والمصالح العابرة تظل لفتة صادقة عفوية واحدة قادرة على إعادة ترتيب فوضى الروح.
إن الحب ليس ترفاً عاطفياً كما يتوهم البعض ، بل هو قوة وجودية تمنع انكسارنا أمام عواصف الوجع ، ولهذا كان لزاماً علينا ألا نفصل بين إنسانيتنا وبين ما نبنيه من مشاريع سواء كانت فكراً أو تعليماً أو حتى علاقات يومية.
فالحب في أسمى صوره هو تلك المودة والرحمة التي جعلها الله في نفوس البشر ، كما قال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف هذا الترابط بقوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وكما قال الشاعر:
إن نفساً لم يشرق الحب فيها
هي نفس لم تدر ما معناها
*********
أنا بالحب قد وصلت إلى نفسي
وبالحب عرفت كيف ألقاها
لقد علمتني تجارب الحياة أن الحب هو البوصلة التي تهدينا وسط عواصف الوجع.
إنه ليس مجرد شعور عابر ، بل تلك التربينة الناعمة على الكتف في لحظات الانكسار ، والكلمة الصادقة التي تنفض غبار الألم عن القلوب.
وبدون هذا الدفء الإنساني تتحول الحياة إلى صحراء قاحلة ، ويصبح الصمود أمام أبسط العقبات تحدياً مرهقاً. وتنهش الوحدة الروح حتى تستسلم.
ولأن الأفكار العظيمة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى مواقف نعيشها ، فقد حمل لي هذا اليوم درساً عملياً أكد لي أن المحبة الصادقة ما زالت قادرة على أن تصنع في النفوس ما لا تصنعه آلاف الكلمات.
حين زارني ابن أختي عبدالإله اليوم لم تكن زيارته مجرد تواصل عائلي ، بل كانت درساً في الحياة.
لقد فاجأني بهدية كريمة تمثلت في مصحف ذهبي وسجادة صلاة ، ولم تكن القيمة في المادة بقدر ما كانت في الرمزية التي حملتها تلك اللفتة.
وكأن الله أراد أن يذكرني بفضله حين قال سبحانه: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}. وفي تلك اللحظة تجسد أمام عيني حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا». فالحب هو الذي مهد الطريق للهدية،والهدية زادت من وتيرة الحب ورسوخه.
لقد شعرت بامتنان مزدوج ، امتنان للرابطة العائلية التي تمنحني الاستقرار والطمأنينة، وامتنان للقيمة الروحية التي ربطتني بالله وبالناس في آن واحد.
لقد أثبتت التجارب التربوية أن الطالب لا يتذكر كل ما تعلمه ، لكنه يتذكر دائماً كيف جُعل يشعر أثناء التعلم. فالمعلم الذي يزرع الاحترام والمحبة في نفوس طلابه يترك أثراً أبقى من أثر المعلومة نفسها، لأن القلوب تفتح أبواب العقول قبل أن تفتحها المناهج.
إنني أؤمن بأن كل ما نضعه بين أيدي الطلاب من أدوات تقنية وتفاعلية يظل جسداً بلا روح ما لم يغلفه الصدق والإخلاص والمحبة.
إن هدفنا من تعليم الأجيال ألا يصبحوا مجرد آلات للحفظ واسترجاع المعلومات، بل باحثين شغوفين يدركون قيمة الإنسان ، ويؤمنون بأن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يكون مقروناً بالرحمة.
إن الهدية التي تلقيتها اليوم كانت تذكيراً لي ولكم ، لا تبنوا جدران العلم دون أن تؤسسوها على المحبة. فالمتعلم الذي يشعر بالحب والتقدير هو وحده القادر على الابتكار ، وهو وحده الذي يستطيع أن يحمل شعلة الأمل ليضيء بها دروب الآخرين.
الحب ليس كلمة تقال ، بل فعل نبدأه بالكلمة الطيبة، ونؤكده بالهدية وبالمشاعر الدافئة الصادقة وبالكلمة الرقيقة الحنونة، ونرتقي به لنصنع بيئات تعليمية أكثر إنسانية ، وأوطاناً أكثر تماسكاً ، ومجتمعات أكثر رحمة.
وفي الختام يبقى السؤال معلقاً في أفق كل واحد منا؛ هل نملك الشجاعة لنجعل من المحبة عنواناً لكل ما نقوم به؟
إن الهدية التي تلقيتها اليوم من عبدالإله لم تكن مجرد قطعة مادية ، بل كانت دعوة صادقة لإعادة اكتشاف دفء العلاقات في تفاصيل حياتنا اليومية.
فلنزرع الحب في كلماتنا وفي بيوتنا وفي مدارسنا وفي مشاريعنا.
ولنوقن أننا حين نعطي بصدق فإننا لا نبني منصات للتعليم فحسب ، بل نعيد بناء إنسان المستقبل الذي يحتاج قبل كل شيء إلى قلب يعرف كيف يحب.
ولنتذكر دائماً أن الإنسان قد ينسى كثيراً مما قيل له ، لكنه لا ينسى أبداً من أحبه بصدق ، فالمحبة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها كل القلوب ، وهي الأثر الذي يبقى حين يرحل كل شيء.
فالمعرفة بلا حب علم لا يثمر ، والعمل بلا مودة جهد لا يبقى ، والحياة بلا رحمة رحلة تفتقد معناها.
فلينهض بنا الحب لنصنع غداً يليق بكرامة الإنسان وطموح الأجيال.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب