بين الفصحى والعامية (الحلقة الثالثة)

أيتها العنيدة سأُفَنِّد كل ما ذكرت، بصدق، وإيجاز في الآتي:
أ‌- قلتِ: تزاحمك اللغات الأخرى، فأنا لا أخشاها إذا رُشِّد الأخذ بها، بل هذا مصدر قوة لي، وإثراء، فأنا لغة حيّة أتربع على عرش اللغات كلها، وأفوقها فصاحة، وعددًا، وشمولًا، ومرونةً، ومع هذا فقد:
– اعتنت بي رؤية المملكة العربية السعودية (٢٠٣٠) أيَّما اعتناء، فقد جعلتني بمنزلة الرأس من الجسد، فأنا اللغة الرسمية، والهوية الوطنية، وركيزة أساسية في بناء مجتمع حيوي، وهدف استراتيجي لتنمية القدرات البشرية.
⁃ أنشأ لي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وزاده تمكينا- مجمعًا (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية)، لتعزيز مكانتي، وتمكين مرجعيتي العالمية، وتحقيق عالميتي في المدوَّنات اللغوية، والمعاجم العربية، وتطوير مستوى كفاءة التعليم بلساني، محليًا ودوليًا، وتعزيز نشر الثقافة العربية محليًا وعالميًا، وإحياء تراثي الثرّ ونشره.
– أُعِدَّتْ من أجلي سياسة وطنية اعتمدها مجلس الوزراء، لدعم مكانتي، وتعزيز حضوري في القطاعات المختلفة.
– أُنشِئت اعتناء بي، أكاديمية الشعر العربي، واحتضنتها جامعة الطائف حتى نُقِلتُ إلى مؤسسة الأمير خالد الفيصل الثقافية، ومن أبرز مشروعاتها جائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي.
ب‌- قُلْتِ : الشعر الشعبي (النبطي) تغلب عليك بأمسياته، ومسابقاته، و جوائزه….، وهذا أدب شعبي له عشاقه، وقد يكون أحيانا امتدادا لي في بعضٍ من بياني، وبديعي، وعشاقه كثر، هذا و قد حظيت بعدد من الجوائز، وهي : جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وجائزة الملك فيصل العالمية (فرع اللغة العربية والأدب)، وجائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي، وجائزة الأمير خالد الفيصل للغة القرآن الكريم، و تهدف هذه الجوائز إلى تمكيني بقوة، من دوري الريادي، ومكانتي السامية، وتشجيع المبادرات المتميزة، والابتكار والإبداع شعرًا، ونثرًا، وخطابة.
ت‌- قُلْتِ : عقَّك أبناؤك، وهنا، أعترف لك بهذا، ولكن ليس على الإطلاق، فبالإضافة إلى ما ذكرته آنفاً من جهودٍ موفقة، فهناك جهود أخرى تذكر وتشكر، أذكر منها ما يلي:
– اليوم العالمي للغة العربية، وتدعمه مؤسسة الأمير سلطان-رحمه الله- الخيرية.
– الجمعية العلمية السعودية للغة العربية .
– برنامج تنمية القدرات البشرية، و يقوم بعدد من المبادرات من خلال استراتيجية وطنية تعنى بلساني، وتهدف إلى تعظيم حضوري محليًا، وعالميًا.
*هذه نبذة مختصرة من الجهود التي تبذل من أجلي ، فماذا عسى أنت قائلة؟
العامية:
ما ذكرتيه لا أنكره، ولكني مازلت أحظى باهتمام خلق كثير من أبنائك، وما زلتِ أنت في منافسة شرسة مع اللغات الأخرى، حتى في أسماء أبنائك وبناتك، على نحو ما بينتُه في الحلقة (الأولى).
الفصحى:
لقد حججتك أيتها العامية بنسبة كبيرة، ورددت عليك أغلب أقوالك، وبينت لك أن اللغات الأخرى لا تزاحمني إذا أخذ منها على قدر الحاجة، بل مصدر إثراء، وبها يتبين فضلي على سائر اللغات واللهجات، إلا أنني سأقترح على أبنائي المسئولين عن رعايتي، وصيانتي، عددًا من الاقتراحات لعل في الأخذ بها تعزيزًا لدوري محليًا وعالميًا، أجملها في الآتي:
– توعية الأسرة بأهميتي، وتعزيز مكانتي، وأنني أمّ ، حناني لا يوازيه أيّ حنان، وردائي فضفاض يتسع لكل جديد، ولكل قديم، وبحري كله درر، وكنزي وفير، من أخذ به فاز بالفهم العميق لأسرار القرآن وعلومه، والحديث وأصوله، والدين وقواعده، وعلوم العصر، قديمها وجديدها، فأنا أم جامعة مانعة.
– حثهم على تعليم أولادهم الفصحى منذ نعومة أظفارهم، وتغذيتهم بها مع لبن أمهاتهم، لكي ينشؤوا على حبها، ومعرفة قدرها.
– تعليم الأطفال في سن الحضانة والتمهيدي والروضة كمَّا من الكلمات نطقًا، وكتابةً، وتعليمهم مخارج الحروف، وتدريبهم على ذلك، وتحفيظهم قدرًا مناسبًا من القرآن الكريم، ثم التدرج في تحفيظهم قدرًا من الشعر الفصيح والأحاديث الشريفة، حتى تتكون لديهم عند اكتمال سن السادسة من أعمارهم، ثروة لغوية لا يقل عدد كلماتها عن أربعة آلاف كلمة، يتقنون نطقها، ومخارج حروفها.
– زيادة الاعتناء باللغة العربية في الحلقة الأولى من المرحلة الابتدائية منهجًا، وتدريسًا، وتدريبا، قراءة وكتابة، والتدرج في حفظ القرآن الكريم، والشعر الفصيح، والحديث لتزداد ثروتهم اللغوية إلى سبعة آلاف كلمة يتقنونها، قراءة وكتابة، لفظًا ومعنى، عند إتمامهم هذه الحلقة، و هكذا يتم التدرج في الاعتناء باللغة الفصحى في الحلقة الثانية، من المرحلة الابتدائية لتزداد كمية حفظهم للقرآن الكريم، والشعر والحديث حتى تبلغ ثروتهم اللغوية عند تخرجهم من هذه الحلقة عشرة آلاف كلمة يتقنونها نطقًا وكتابة، لفظًا ومعنى، مع تدريبهم على فن الإلقاء والخطابة، وهكذا في المرحلة المتوسطة والثانوية، مع تدريبهم على قرض الشعر الفصيح، و معرفة بحوره، وأوزانه، ونقده، وأسرار البلاغة فيه.
– إعداد جملة من الحوافز، والمسابقات للمتميزين في اللغة العربية خلال دراستهم في الروضة ومراحل التعليم العام، ورصد الجوائز القيمة لذلك، وكذلك التعليم الجامعي، والعالي.
– إجراء التقويم بأنواعه، وأساليبه، وآلياته المتعددة، ووضع معيار محدد لانتقال الطالب من صف إلى صف أعلى منه، وجعله شرطًا لازمًا للانتقال، وإذا لم يجتزه يبق معيدًا في صفه.
– تفعيل دور الأندية الأدبية في نشر ثقافة الفصحى، والتدريب على ذلك، وإقامة المسابقات، ورصد الحوافز، والجوائز المناسبة.
– إنشاء عدد من الجمعيات الخيرية، لنشر ثقافة الفصحى، والتدريب عليها، وإقامة البرامج الموجهة، ودعم تعليم اللغة الفصحى للناطقين بها، ولغيرهم، والمشاركة في تنفيذ الخطة الوطنية التي اعتمدها مجلس الوزراء.
*أبنائي أنا هويتكم، إليّ تُنسبون وتَنتسبون، موطني الأصيل داركم، ونزل بي كتابكم، وحافظوا عليّ أجدادكم حتى تسلمتموني منهم، وأنا في غاية الجمال والكمال، والآن بدأت علامات الشيخوخة تحفني، فتغير لوني، وثقل لساني، وضعف بياني، وشَمُر ردائي، وقصّر في حقي بعض أبنائي، فإن أردتم أن أبقى فتية، وعلى الهرم عصية فحافظوا علي، فقوتي قوة لكم، فأنا أمكم ولن ، ولن تنسبوا لغيري.
*أبنائي لا يعني اهتمامكم بي، وتلبية مطالبي، إهمالكم لغير من اللغات، فأنتم أمة عظيمة وعليكم الأخذ بأسباب القوة والمنعة أيّا كانت، ولكن برشد، ومحافظة على أمِّكم.
وفقكم الله، وحفظ عليكم أمنكم وإيمانكم وقيادتكم، وبلادكم، واستقام لسانكم.
اللهم آمين.

حامد بن جابر السلمي
مدير عام التعليم بمنطقة مكة سابقًا
جدة ٥ من الشهر المحرم لعام ١٤٤٨هـ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *