طرف ثالث

عيد الفطر وعيد الأضحى، لكل واحد منهما طعمه الخاص وروحه المختلفة ومكانته التي لا يغني عنها الآخر، فلا يمكن لأحدهما أن يقوم مقام الثاني مهما تشابهت مشاعر الفرح فيهما.

ومثل ذلك الليل والنهار، والشمس والقمر، والأب والأم، والأخ والأخت، فليست هذه العلاقات صورًا متطابقة لدور واحد، بل عوالم متكاملة، لا يستطيع أحد أن يكون بديلًا عن الآخر، فلكل منهم أثره الخاص، ولكل منهم بصمته التي لا تتكرر، وهذه ليست صورة مثالية بل الأصل.

وفي علم الإحصاء تُعد مقاييس التشتت من أهم الأدوات المستخدمة لدراسة توزيع البيانات وتحليلها، وهي بشقيها المطلق والنسبي، تتيح للباحثين إجراء المقارنات المنطقية بين المجموعات المختلفة، وتكشف مدى التقارب أو التباعد بين القيم ومتوسطاتها، كما تساعد في فهم دقة النتائج وموثوقية الاستنتاجات، إنه عالم ثري بالأرقام والعلاقات والتحليلات، لا يخلو من المتعة لكل من أحب هذا العلم وأدرك جماله الكامن خلف الجداول والمعادلات.

فالتشتت في الإحصاء ظاهرة تُقاس وتُفسَّر، بل إن فهمها يعد جزءًا من الوصول إلى المعرفة، أما في الحياة، فليس كل تشتت محمودًا، ولا كل تباعد قابلًا للاختزال في رقم أو معادلة.

وبين انتظام الأفلاك وتعاقب الأعياد ودقة الأرقام، ثمة تشتت آخر لا يخضع لنظام، ولا تستوعبه الجداول، ولا تفسره المؤشرات، تشتت تتفرق فيه الوجوه التي اعتادت أن تجتمع، وتتوزع فيه القلوب بين جهتين، ويقف فيه طرف ثالث أمام مشهد لم يختره.

وإذا كانت مقاييس التشتت في الإحصاء وسيلة لفهم البيانات، فإن التشتت في بعض البيوت قصة تستحق أن تُقرأ بالقلوب قبل العقول، لأن آثارها لا تُقاس بالحاضر وحده، بل بما تتركه في المستقبل من أسئلة ومشاعر وذكريات، قد تكبر بصمت بينما يظن الآخرون أن الحكاية انتهت يوم غادر أحدهما المكان.

عندما يقع الفراق بين الزوجين، تتجه الأنظار غالبًا إلى طرفيه، تُناقش الأسباب، وتُستعرض المواقف، وتُوزَّع المسؤوليات، ويبحث كل طرف عن روايته الخاصة للأحداث.

لكن وسط هذا المشهد المزدحم بالأصوات، يبقى هناك صوت خافت لا يكاد يُسمع، وصاحب قصة لا يُسأل كثيرًا عن رأيه، مع أنه قد يكون الأكثر تأثرًا بما حدث، إنه الطرف الثالث.

ذلك الذي لم يكن حاضرًا عند بداية الخلاف، ولم يشارك في صناعة أسبابه، ولم يُستشر عند اتخاذ القرار، لكنه وجد نفسه فجأة أمام واقع جديد لم يختره، وحياة مختلفة لم يخطط لها، وكثيرًا ما يكون قد عاش قبل الفراق على إيقاع خلافات متكررة، حتى أصبحت التوترات جزءًا من يومه العادي، وصار يتعلم من الصراع أكثر مما يتعلم من الطمأنينة.

ولعل من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يُنظر إلى هذا الحدث على أنه شأن يخص الأبوين وحدهما، فالفراق في جوهره قرار بين راشدين، لكن آثاره ممتدة إلى من يقفون على هامش المشهد، يحملون نتائج صدمة لم يكونوا طرفًا في صناعتها.

وليس المقصود هنا الخوض في التحليل النفسي أو الاجتماعي لهذه الظاهرة، فلكل علم أهله ومختصوه، وإنما التوقف عند ذلك الطرف الذي قد يغيب عن بؤرة الاهتمام، رغم أنه يحمل جزءًا غير قليل من آثار الموقف.

فبينما ينشغل الكبار بتفاصيل ما جرى، يحاول الطرف الثالث فهم عالم تغيّرت ملامحه فجأة، فيدرك أن شيئًا مهمًا قد تبدل، وأن بعض ما اعتاد عليه لم يعد كما كان، وتتولد داخله أسئلة أكبر من عمره أحيانًا، ومشاعر لا يحسن التعبير عنها، فترافقه بصمت إلى مراحل لاحقة من حياته.

ولأنه مطالب بالتكيف مع ما لم يختره، بينما يجلس إلى مائدة فقدت أحد مقاعدها المألوفة، أو يقرأ الحزن في عيني أحد والديه دون أن يفهم كل أسبابه، فقد يواجه ذلك بالصمت أو الغضب أو الانسحاب، أو البحث عن ملاذات مؤقتة لا تزيد الجرح إلا اتساعًا، وتبقى حاجته الأعمق في استعادة الطمأنينة، والشعور بأن ما اهتز حوله لا يعني بالضرورة أن حياته كلها قد انهارت.

ولعل ما يستحق التأمل ليس لحظة الفراق ذاتها، بل ظله الطويل الذي يمتد بعد انقضائها، فالقرارات الكبيرة قد يغادرها أصحابها إلى محطات جديدة من حياتهم، بينما تبقى أصداؤها تتردد في ذاكرة آخرين لسنوات طويلة، فكيف إذا كان هؤلاء الآخرون أبناءً صغارًا أو كبارًا تشكلت ذاكرتهم على وقع تلك الأحداث؟

ومع ذلك، فإن الحصافة تقتضي أن نقول إن الفراق لا يعني نهاية الحياة، ولا يعني بالضرورة ضياع من تأثروا به، فكم من أناس مروا بتجارب صعبة ثم تجاوزوها، وصنعوا لأنفسهم مستقبلًا مشرقًا، لأن الله برحمته أودع في الإنسان قدرة عجيبة على التعافي، وأودع في الأيام قدرة أعجب على جبر ما ظن الناس أنه لا ينجبر

ويبقى الإحسان الوجه الأجمل بعد كل شيء، فإذا كان للطرف الثالث شأن بينهما، فحسبه أن يرى المعروف فيما بقي، بعد أن كان له من آثار الفراق نصيب.

ولهذا فإن الرسالة الأهم ليست منع كل فراق، فذلك أمر لا يملكه أحد، وإنما تقليل آثاره حين يقع، وحماية من تطالهم نتائجه من أن يتحولوا إلى ضحايا لأحداث لم يكونوا طرفًا فيها.

والحقيقة أن بعض القرارات الكبيرة تحتاج إلى وقفات طويلة بقدر ما تحتاج إلى شجاعة اتخاذها، لأن أثرها لا يقف عند حياة شخصين فحسب، بل يمتد إلى جيل يتشكل على وقعها، وإلى أمة تراهن في نهضتها وازدهارها على الإنسان قبل كل شيء

وأنت تتأمل رحلة هذا الطرف الثالث، تدرك أنه لا يبحث عن الانتصار، ولا يعنيه من أخطأ ومن أصاب، لكنه كان أول من دفع الثمن، وآخر من يتعافى من أثره.

ومن حقه بعد ذلك كله ألا يتحول إلى ورقة ضغط بين طرفين، وأن يبقى مكانه في سلم الأولويات ثابتًا لم تهزه الأحداث، فما فقده من استقرار يحتاج أن يعوضه ما يلقاه من احتواء وصدق عناية، لا أن يُستدرج إلى مواقف لا تخصه، ولا أن يُغرق في تعويض يفسد أكثر مما يصلح، فليس كل عطاء بناءً، وليس كل تدليل جبرًا، وما يحتاجه حقًا أن يشعر بقيمته، وأن يجد الأمان، وأن ينشأ على قدر من المسؤولية والعلم والمعرفة يهيئه لحياة متوازنة رغم ما مر به.

وفي كل قصة فراق طرفان يتحدثان كثيرًا، وطرف ثالث يتعلم الصمت مبكرًا، فبعض التشتت يمكن قياسه بالأرقام، أما بعضه الآخر فلا يُقاس إلا بآثاره في القلوب.

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “طرف ثالث

د. عدنان سعد صغير

شكرا جزيلا دكتور عبدالله باوشخه على هذا المقال الدقيق الرصين ؛ الذي يمثل تشخيصا واقعيا لمعاناة الطرف الثالث المتضرر الأكبر ؛ وإن كانت جميع الأطراف متضررة . والحقيقة أن هذه المشكلة آخذة في التكرار بدرجة مخيفة . والحقيقة الأهم في تصوري أن أسبابها في حاجة ماسة إلى مزيد من التشخيص الدقيق ، والحلول الجادة .. بعيدا عن التنظير ، والتكسب والإدعاءات .

حسين النايف

محاكاة فيها من الواقع كثير وخصوصاً التشتت الذي نتيه في دهاليزه أحيانا ناهيك عن الأثر الواقع على القلوب ولابد لنا حالة من التوازن بين هذا وذاك ولعل الفكر يحدد الخيار والقلب يحدد خيار العاطفة وآثارها .
تحياتي دكتورنا المحترم ومودتي وتقديري لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *