الإعجاب القاتل.. عندما تصنع المشاهدات نهايات مأساوية

في زمن أصبحت فيه مقاطع المغامرات الخطرة تنتشر بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بات بعض الشباب يسعون إلى تحقيق الشهرة وجذب الانتباه من خلال تصرفات متهورة قد تنتهي بإصابات بالغة أو وفاة مأساوية. فمنهم من يتسلق المرتفعات الشاهقة دون وسائل أمان، ومنهم من يقفز في أماكن خطرة، أو يقود المركبات بسرعات جنونية، أو يخوض مغامرات غير محسوبة العواقب، معتقدًا أن الشجاعة تعني تحدي الخطر والاقتراب من الهلاك.
لكن الإسلام جاء بحفظ النفس وصيانتها من كل ما يهددها، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. كما قال النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو أصل عظيم في منع كل ما يجلب الضرر للإنسان أو لغيره.
ومن القصص المؤثرة التي اشتهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي قصة أحد مشاهير المنصات الرقمية المعروفين بمقاطع المغامرات الخطرة وتسلق المرتفعات الشاهقة والتقاط الصور في مواقع شديدة الخطورة. وقد حصدت مقاطعه ملايين المشاهدات وأعدادًا كبيرة من المتابعين الذين كانوا ينتظرون جديده بشغف، حتى أصبح من مشاهير المنصات الرقمية.
غير أن الجانب المؤلم في القصة لا يقتصر على خطورة تلك المغامرات فحسب، بل يمتد إلى دور الجمهور والمتابعين الذين أسهم بعضهم – بقصد أو دون قصد – في تشجيع هذا النوع من المحتوى. فكل إعجاب أو مشاركة أو تعليق يشجع على الاستمرار قد يدفع صانع المحتوى إلى تقديم مشاهد أكثر جرأة وخطورة للحفاظ على شهرته وزيادة أعداد متابعيه. وكان الأولى بالمتابعين أن ينصحوه ويحذروه من المخاطر المحدقة به، لا أن يشجعوا هذا السلوك أو يسهموا في نشره وترويجه.
وقد انتهت إحدى تلك المغامرات بسقوط أودى بحياته، لتتحول الشهرة التي سعى إليها إلى درس مؤلم يذكر الجميع بأن الحياة أغلى من أي عدد من المشاهدات أو المتابعين.
ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة، فقد شهدت السنوات الماضية حوادث عديدة لشباب فقدوا حياتهم أثناء تصوير مقاطع استعراضية أو قيادة متهورة أو سباحة في أماكن خطرة أو تسلق جبال ومنحدرات دون احتياطات السلامة، تاركين خلفهم أسرًا مكلومة وذكريات موجعة وقصصًا من الندم والحسرة.
إن الشجاعة الحقيقية ليست في تعريض النفس للخطر، بل في المحافظة عليها وتحمل المسؤولية واتخاذ الأسباب التي تحفظ حياة الإنسان. فالحياة نعمة عظيمة وهبها الله لعباده، ومن شكر هذه النعمة صيانتها وعدم تعريضها لما يهددها أو يبددها في لحظة تهور.
كما تقع على الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤثرين مسؤولية كبيرة في توعية الشباب بخطورة التقليد الأعمى لبعض مشاهير المنصات، فليس كل ما يُشاهد يُقلَّد، وليس كل مغامر ناجيًا من العواقب. وينبغي أن يتحول دور المتابع من مشجع للمخاطرة إلى ناصح ومحذر، لأن الكلمة والتعليق والمشاركة قد تكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان أو دفعه نحو مزيد من المجازفة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم: لحظة تهور قد تنهي حياة كاملة، ومشهد قصير قد يترك خلفه حزنًا طويلًا. فاحفظ نفسك، وتذكر أن الله سيسألك عن هذه النعمة العظيمة، وأن البطولة ليست في الاقتراب من الهلاك، بل في تجنبه.
عبدالرحمن حسن جان
مستشار اجتماعي
مقالات سابقة للكاتب